7:46 م

الساعة السابعة

صدر الكتاب في مارس 2013 عن دار مدارك

7:46 م

لا ندرك ضآلة مشاكلنا الحالية إلا بعد ارتطامنا بمشاكل أكبر منها. وحينها سنندم كثيرًا؛ لأننا حزنا كثيرًا على أشياء صغيرة. صغيرة للغاية.

في الخامس من يناير 2013، هاتفتني زوجتي، وأنا في المكتبة، وهي تنتحب: “أحمد يحترق..تعال..تعال بسرعة”. المسافة بين مكتبة الجامعة وشقتي في مانشستر سيرًا على الأقدام لا تتجاوز 6 دقائق. لكن شعرت أنها 6 أيام. أصبحتُ ثقيلاً جدًا. لا أستطيع حمل رأسي، الذي يزدحم بأسئلة كالمطارق في حجمها ودويّها: ماذا حدث لأحمد؟ كيف احترق؟ هل سيعيش؟ هل مات؟

متُّ قبل أن أصل إلى العمارة السكنية. المصعد، الذي يقل سكان العمارة كان يأتي سريعًا. كنت أحسُّ دائمًا أنه يعلم بموعد قدومنا. فيكون في الانتظار بالطابق الأرضي؛ ليحملنا على ظهره إلى الأعلى. هذه المرة، كان نائمًا في الأعلى. أصرخ عليه بأصابعي ولا يستيقظ. أضغط على زر المصعد مائة مرة يائسًا ومعتقدًا أن كثرة الضغط ستجلبه بسرعة، لكن دون جدوى. فكرت أن أتسلق السلالم إلى الطابق العاشر حيث أقطن مع أسرتي. لكن خشيت أن أتأخر أكثر. ابني يشتعل، الوقت ينفد… ماذ أفعل؟ تحاشيت أن أهاتف زوجتي خلال لحظات انتظاري المميت. فلست على استعداد لتلقي نبأ أكثر سوءًا. وصل المصعد أخيرًا وأنا أحترق بهواجسي. استقليته وجلست أتخيل ماذا سينتظرني وأردد كل السور والأحاديث، التي أحفظها. وصلت إلى الشقة. كان الباب مشرعًا. يسيل من داخل الشقة نحيب لا ينقطع. دخلت فوجدت زوجتي في دورة المياه تبكي وهي تحمم أحمد، الذي يتساقط جلد رقبته وظهره وبطنه أمام أعيننا. كانت تسكب عليه دموعها والماء البارد حسب تعليمات موظفة الطوارئ، التي أجابت على اتصالها. لم أنبس ببنت شفة حتى وصل رجُلا إسعاف مع أدواتهما إلى الشقة. أخذا أحمد ووضعا على أماكن الحروق مرطبًا ثم ضمادات فحمله أحدهما، وطلب منا أن نلحقهما إلى سيارة الإسعاف. تزاحمنا في السيارة برفقة ألمنا الكبير. وصلنا إلى المستشفى بعد أن تحاورتُ وزوجتي في الطريق بالأدعية والسور والتمتمات…

فور وصولنا كشف عليه مباشرة أخصائي الحروق الذي كان في الانتظار. أخبرنا أن بعض الحروق عميقة والأخرى سطحية. الخطورة تكمن في مساحة الحريق، التي تغطي نحو 15 % من جسده الغض. فهو لم يكمل 10 شهور بعد ويتطلب علاجًا مكثفًا وتنويمًا قد يستغرق أسبوعًا أو أكثر ناهيك عن المتابعة الطبية المتواصلة بعد خروجه، إذا لم يتعرض إلى التهاب أو مضاعفات ستكشفها الفحوصات المخبرية. طلب منا الطبيب أن نغادر غرفة الطوارئ وننتقل إلى جناح الحروق حتى يخضع أحمد إلى المزيد من الفحوصات للتأكد من طبيعة الحروق أكثر ومدى خطورتها وتأثيرها.

ظللنا ساعات طويلة نتضرع ونترقب ونفكر.

كانت تلك اللحظات من أصعب المواقف التي مررت بها مؤخرًا. جعلتني أعيد التفكير في أشياء كثيرة حولي. فقبل إصابة ابني كانت لديّ خطط عديدة أقوم بها ذلك الأسبوع. لكن بعضها تأجل أو ألغي إثر الحادثة. أيضًا، كنتُ أستقل المصعد كل مساء وأنا وأحبتي نرفل في ثياب الصحة غير مدركين للنعم التي نتمتع بها. غير شاكرين  فضله سبحانه وتعالى وكرمه معنا. نستذكر فقط التفاصيل السلبية الصغيرة التي تعكر صفو حياتنا وتمنحنا حزنًا لا يليق.

لا ندرك ضآلة مشاكلنا الحالية إلا بعد ارتطامنا بمشاكل أكبر منها. وحينها سنندم كثيرًا؛ لأننا حزنا كثيرًا على أشياء صغيرة. صغيرة للغاية.

إن هذا الكتاب مشروع نويت أن أقدمه في وقت لاحق لاسيما أنني أعكف على مشروع تأليفي آخر يتعلق بتخصصي الدّراسي، يأخذ جل اهتمامي حاليًا، لكن حادثة أحمد – رغم تعافيه ولله الحمد والمنة – أعادت الكثير من حساباتي، وجعلتني أدفع بهذا الكتاب إلى المطبعة. فحياتنا القصيرة لا تحتمل المزيد من التسويف والتأجيل. لا نعلم متى سيقبض الله أرواحنا، وهل ستكون ظروفنا المقبلة أفضل. تعلمت أن القادم سيكون أكثر تعقيدًا وأقل مرونة. ليس بالضرورة لأننا مقبلون على أيام عصيبة، بل لأننا نكبر وتكبر مسؤولياتنا معنا. وإثر تفاقم المسؤوليات قد نضحي بالكثير مما نحب ونهوى فتتغير الأولويات والخطط وقد تحيا مشاريع وتموت أخرى.

الكتاب يشتمل على عدة مقالات دونتها ما بين عامي 2009-2012، السمة المشتركة بينها أنها تتناول أفكارًا وتجارب أرى أنها إيجابية عايشتها أو وقفت عليها شخصيًا أو قرأت عنها. تجارب ملهمة لأسماء مغمورة وأخرى مشهورة. من مجتمعاتنا العربية، ومن الشرق الأقصى، وأمريكا.

حرصت أن يكون اسم الكتاب: “الساعة 7:46 مساءً”، وهو الموعد الذي تلقيت فيه اتصال زوجتي الأول لتخبرني فيه عن الحادثة التي تعرض لها أحمد، حتى أتذكر هذا الموقف كلما أشارت عقارب الساعة إلى ” 7:46 مساءً”؛ لأحمد الله على ما أعطاني وما أخذ مني. وأستعيد تلك اللحظات العصيبة بإيمان، وابتسامة.

“الساعة 7:46 مساءً” مشروع للتسلح بأفكار إيجابية تمنح أيامكم أملاً وسعادة، ودعوة للشروع في بلورة الأفكار، التي تسكن رؤوسنا، بعيدًا عن التسويف والتأجيل، الذي طالما أودى بحياة الكثير من المشاريع، التي بوسعها أن تغير مجرى حياتنا.