الحافلة المثيرة

عويد السبيعي أثناء حديثه في مخيم أقرأ الذي ينظمه مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي التابع لأرامكو السعودية

عويد السبيعي أثناء حديثه في مخيم أقرأ الذي ينظمه مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي التابع لأرامكو السعودية

ولد عويد ذياب السبيعي عام 1988 في صحراء الصمان، بين المنطقتين الشرقية والوسطى. الابن الأصغر لأسرة فقيرة تتكون من 12 فردا. ثمانية أشقاء، وشقيقتان. رأسمال أسرته عدد يسير من الأغنام وبيت شعر وسيارة مهترئة. درس الابتدائية في قرية “العمانية”، ثم انتقل إلى قرية أخرى لدراسة المتوسطة، وثالثة لدراسة الثانوية مدفوعا بحب الدراسة، فهناك ألف ذريعة تمنعه من متابعتها. فأبواه أميان، وأشقاؤه غير متعلمين، ناهيك عن الظروف الشائكة، التي تعترض طريقه وهو يذهب ويجيء من وإلى المدرسة. سمع مرة اسم “أرامكو” من معلم في مدرسته. كان المعلم يمتدح هذه الشركة ويصفها بأفضل النعوت أمام طلابه. عندما تخرج في الثانوية بتفوق لم يكن في رأس عويد سوى اسم هذه الشركة. قرر أن يتقدم إلى برنامجها الخاص بالتدرج لخريجي المرحلة الثانوية. طلب من أخيه الكبير أن يقله إلى الرياض للتقديم على هذا البرنامج. قال له أخوه: “أين واسطتك؟ لا توجد وظيفة دون واسطة”. رد عليه: لا أعرف أحدا، لكن درجاتي هي واسطتي ـــ إن شاء الله. أشفق عليه شقيقه واصطحبه إلى الرياض دون قناعة كاملة. لم تمر سوى أيام قليلة على التقديم إلا وعويد يتسلم رسالة مفادها قبوله في البرنامج. ذهب في آذار (مارس) 2006 إلى مقر الشركة في الرياض وتسلم تذكرة سفر من الرياض إلى المنطقة الشرقية، مقر الشركة الرئيس. ذلك اليوم كان أول يوم يرى فيه مطارا على أرض الواقع في حياته. ربط الحزام الذي لا يستغرق سوى ثوان لأي منا استغرق منه أكثر من ربع ساعة وبمساعدة من المضيف.

عندما بدأ عويد العمل في “أرامكو السعودية” كان يستقل صباحا للذهاب والإياب من وإلى معهد الدراسة حافلة الشركة وكان الطريق يستغرق من نصف ساعة إلى ساعة. كان عويد يستثمر هذا الوقت في القراءة بينما أغلبهم نائمون “ينامون في الصباح وإذا عادوا ينامون من الإرهاق”. كانت نظرات الاستغراب كلها تحوم حوله. وبعد فترة سأله أحدهم “من فترة وأنا أشاهدك تقرأ. فلمَ لا تقول لنا اقرأوا معي؟”. فأجاب: “هذه الكتب كنت محروماً منها منذ صغري لأني لا أملك المال وعندما امتلكته أود أن أقضي معها جل وقتي”. في الرحلة التالية جلب عويد معه كتابا أهداه إلى جاره في الحافلة. بعد مضي ستة أشهر تقريباً كان أغلب رفاقه، ممن يتقاسمون معه الحافلة، يقتنون الكتب ويتبادلونها مع بعضهم دون أن ينبس عويد ببنت شفة.

كلنا نستطيع التغيير دون أن نشجب ونستنكر ونرفع أصواتنا. الأعمال الجميلة معدية. تنتقل بلا ضجيج.

بعد أن أدرك عويد تأثيره. يقود حاليا أندية للقراءة ويدير حسابات متعددة في الشبكات الاجتماعية لرفع الوعي بالقراءة. يتابع دراسته الجامعية ويعمل. ينجز كثيرا ويحلم كثيرا ونحبه كثيرا.

 الإنسان الذي لا يقرأ، شأنه شأن الأرض اليباب، التي لا تنبت شيئا. والمرء الذي يقرأ كالأرض الخصبة التي تزهر وتطعم أهلها ومن حولها من ثمرها.

 

عبدالله المغلوث

 

 

 

أضف تعليقاً