فرّاشة

كانت تكنس الفصول بيد وتكنس جهلها باليد الأخرى

أم عبد الهادي المري، التي تعمل فرّاشة في الابتدائية الرابعة عشرة بالجبيل، تستحق أغلى الأوسمة. ليس لكونها حصلت قبل شهور قليلة على شهادة الثانوية العامة وهي على أبواب الستين، وليس لأنها التحقت مؤخرا بكلية التربية بالبنات في الخفجي للحصول على شهادة البكالوريوس في تخصص اللغة العربية، بل لأنها أم عظيمة، أنجبت 11 ابنا وابنة وأحسنت تربيتهم في ظروف صعبة ووسط مجتمع يقلل من شأن الفرّاشة ويحط من قدرها وإنسانيتها. إحدى بناتها تدرس الدكتوراه في نيوزيلندا واثنتان تدرسان الماجستير، والبقية يبلون بلاء حسنا في صفوفهم الدراسية المختلفة.

تزوجت وهي في الثالثة عشرة من عمرها، مما دعاها إلى ترك مقاعد الدراسة لمساعدة زوجها على أعباء الحياة. لكن لم تترك أحلامها. عملت مبكرا كمستخدمة في عدد من المدارس الحكومية. كانت تكنس الفصول بيد وتكنس جهلها باليد الأخرى. فكتبها الدراسية لا تفارق يدها. انتظمت في مدارس محو الأمية مدفوعة بشغف القراءة وحلمها. كانت لا تنام، تقضي الليل في الاستذكار والقراءة والقلق. فعملها وأطفالها لا يسمحون لها أن تذاكر في النهار. كانت تردد” لا تحسب المجد تمراً أنت آكله… لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا”. كان هذا البيت زادها ودواءها، رفيق ليلها وجوعها.

ولم يكن يؤلمها قلة النوم، بل أطفالها الذين كانوا يخجلون من وظيفتها وزوجها. كانت ترى في عيونهم الانكسار لأن أمهم فرّاشة وأبوهم فرّاش. كان الجميع يجلدهم بسياط التهكم والازدراء، لكنها كانت تحتويهم بالمزيد من العطف والحنان والاهتمام. كانت تعوضهم عن الساعات القاسية التي يصرفونها في المدرسة بساعات ماتعة وشيقة في المنزل عبر أطباق زكية شهية وألعاب وقصص مسلية تدخر قيمتها من أجل إسعادهم.

كانت الكلمات التي تلسعها وأسرتها محفزا لها لمواصلة تعليمها وتربية أطفالها ومقاومة الفشل الذي يتربص بهم ريب المنون. فكلما أمرتها معلمة متغطرسة بطريقة فظة قالت لنفسها:”سأكون مديرتها يوما ما وسألقنها درسا في السلوك”. وكلما تهشمت إحدى بناتها الثماني جراء كلمة خشنة همست في أذنها قائلة:”ستصبحين دكتورة، وستضحكين أخيراً”.

طريق أم عبد الهادي لم يكن مفروشا بالورود. لم يكن ممهدا ومعبدا. ما تجتازه الفتيات بسهولة كانت تتجاوزه بمشقة. فهي كانت تُرضع، وتطبخ، وتربي، وتدرس، وتبكي في حين كانت الفتيات الأخريات يدرسن فقط.

درست الصف الأول الثانوي مرتين، والثاني الثانوي مرتين، والثالث الثانوي ثلاث مرات حتى استطاعت أن تنجح وتصل إلى الجامعة.

لم تدرك أم عبد الهادي سبب قفز اللاعبين عند حالة تسجيلهم الأهداف إلا بعد أن تم قبولها انتسابا في كلية الخفجي للبنات. تقول:”قفزت حتى كدت أصل إلى السماء”.

ولن تتوقف عند هذا الحد، فهي تأمل أن تتخرج بسرعة، وتمضي إلى دراسة الماجستير. شهيتها أصبحت مفتوحة لتسجيل المزيد من الأهداف، فأبناؤها كبروا، وصاروا عونا لها لا عبئا عليها.

تفاؤلها هو وقودها. فهي كتشرشل تماما تؤمن أن”المتشائم يرى صعوبة في كل فرصة، والمتفائل يرى فرصة في كل صعوبة”. لن تتخلى عن وظيفتها أيضا فهي تعتقد أنها خلقت لها تحديات دفعتها دفعا إلى هذه النجاحات.

تأثير أم عبد الهادي لا يقتصر على محيط أسرتها، فقد تجاوزت سمعتها أسوار الجبيل والمنطقة الشرقية. صارت مضربا للمثل في قوة الإرادة والتحدي. ساهمت في نهوض الكثير ممن تعثروا في دراستهم بعد أن تصفحوا تجربتها المطرزة بالكفاح والصبر.

عبدالله المغلوث.

أضف تعليقاً