في غزل الشاي

سيظل الشاي متربعا في قلوب البريطانيين رغم إغراءات القهوة وأطفالها 

شاي بعد الظهيرة في الليك ديستريكت ببريطانيا

شاي بعد الظهيرة في الليك ديستريكت ببريطانيا

 لا يتناول الإنجليز الشاي في فطورهم وخلال يومهم فحسب، وإنما يتناولونه في كافة مناحي الحياة. في أمثلتهم ومصطلحاتهم. في عباراتهم وتعبيرهم.

اكتشفتُ هذه العلاقة الحميمة منذ أن انتقلت إلى الدارسة في بريطانيا. لقد دعاني زميلي البريطاني، يوما ما، لمناقشة موضوع متعلق ببحث مشترك، قائلا:

Let’s have afternoon tea

أي (دعنا نتناول شاي بعد الظهر معًا ).

عندما ذهبتُ إلى المقهى، الذي دعاني إليه، اعتقدتُ أن الموضوع مجرد كوب شاي إنجليزي سنتناوله ونحن نتحدث. لكن فور أن هطل النادل على طاولتنا عرض علينا قائمة شهية من وجبات (شاي بعد الظهيرة)، تحتوي على ساندويتشات وكعك وبسكويت، ومربى، وزبدة، وخبز. تشكيلة غنية. اخترنا ما يناسبنا منها. ثم عاد النادل بعد دقائق برفقة حامل للكيك  Cake stands تستلقي عليه طلباتنا المتنوعة في رفوف

. لم يكن شاي بعد الظهيرة مجرد شاي كان كعكا وشطائر ومربى وخبز. استئثار الشاي باسم هذه الوجبة الإنجليزية التقليدية الخفيفة، التي يتم تناولها عادة، بين 4-6 مساءً يعكس تقدير الإنجليزين لهذا الشراب الساخن ومكانته الرفيعة في أعماقهم. فلمَ لا يسمى كعك الظهيرة، أو مربى الظهيرة مثلًا؟

كلما عشت في بريطانيا أكثر شعرت بارتباط الإنجليز الأكثر بشايهم.

فعندما أحببتُ أن أدعو زميل بريطاني آخر لحضور مباراة كرة قدم على ملعب مانشستر يونايتد، أولد ترافورد، رد عليّ قائلا:
It’s not my cup of tea

وترجمتها حرفيًا: ليس نوع الشاي المفضل لديّ.

إذ يستخدم الكثير من البريطانيين  هذا المصطلح تعبيرًا عن عدم ملائمة هذا الاختيار لهم. فيرون أن الرد المباشر مثل : لا أفضل  حضور مباريات كرة القدم قد يبدو فظا. بيد أن إدخال مفردة الشاي فيه قد يمنح الإجابة دفئا يخفف من وقع صقيع الإجابة على المتلقي.

ليس هذا المصطلح الوحيد، الذي نحته الإنجليز مستخدمين (الشاي) في أحشائه.  فالإنجليز عندما يعلقون على شخص ضخّم الموضوع يقولون له:

Don’t make storm in a tea cup

وترجمتها حرفياً: لا تصنع زوبعة في كوب شاي أو (فنجان)

فيما يقابله في اللغة العربية هذا المصطلح: “لا تصنع من الحبة قبة”.

كما يستخدم بعض الإنجليز هذا العبارة عندما يقومون برفض عرض مغرٍ:

I would not do it for all the tea in China

وترجمته: لن أقوم بذلك ولو مقابل كل الشاي في الصين.

فالصين معروفة بإنتاج الشاي بكميات ضخمة عالميًا. ومعنى أن الشخص لن يقبل بهذا العرض حتى لو كان مقابل شاي الصين بأسره فهو دلالة على أن العرض أو الطلب لا يناسبه ولن يتجاوب معه مهما كان الثمن. فالتضحية بهذا الشاي الغالي على نفسه وبهذه الكمية الهائلة دليل على أنه لاشيء يمكن ان يقنعه بقبول هذا العرض.

توافر الشاي بهذه الغزارة على طاولات البريطانيين وأحاديثهم انعكاس لأهميته في ثقافتهم ما يؤكد أن الشاي سيظل متربعًا في قلوبهم، راسخًا في أدبياتهم رغم أنف القهوة وأطفالها: الاسبريسو، والكابتشينو، واللاتيه.

عبدالله المغلوث

التعليقات 4 على “في غزل الشاي”

  1. أسْمَاء (@ANGELSOOMI) علق:

    جميل !
    أعشق الشاي، وعادات الإنجليز العريقة مع الشاي.
    شكراً جزيلاً لك شكراً

  2. ايمان علق:

    صحيح فالشاي باختلاف العصور احتل مراكز هامة الى جانب فوائده الصحية ….

  3. Asma علق:

    لايشرب الشاي إلا من به أدب..

  4. اكرم الشرفاء علق:

    جميل أستاذ عبد الله ..ودائماً اتذكر هذه المقوله التي كنت اسمعها من احد الاصدقاء ” الشاي خمر العلماء ” ..

    شكراً لك

أضف تعليقاً