كيف تعلمتْ أمّ صديقي الإنجليزية؟

لقد حوّلت العبارة الموجعة إلى مبادرة مشجعة، حفزتها وألهمت قريباتها وصديقاتها.

يد الجدة...ورد لا يذبل

يد الجدة…ورد لا يذبل

كانت أم صديقي تتحدث مع ابنها، الذي يدرس في بريطانيا عبر برنامج محادثات الفيديو المباشرة (سكايب). سَأَلَتْهُ عن حال ابنته وحفيدتها، نوف (ست سنوات)، خلال حوارهما، لم يجبها الابن وإنما نادى نوف؛ لتصافح جدتها مباشرة. ألقت الطفلة التحية على الجدة وأرسلت لها قبلة طائرة ثم حاولت الهرب؛ لمتابعة اللعب مع عرائسها. لكن الأب منعها من الفِرار ممسكاً بها بكِلتا يديه. ثم وضعها في حضنه لتقابل جدتها على الشاشة. قال لها: اتلِ على جدتك، الأنشودة الجديدة، التي تعلمتِها في المدرسة، ورددتِها طوال أمس على مسامعي ووالدتك. أجابت الطفلة بعفوية: لكن جدتي لا تتحدث الإنجليزية. أطلق نايف سراح ابنته من قبضته وأكمل حواره مع والدته.

لكن كلمة الصغيرة ما زالت ترن في رأس الجدة والمعلمة المتقاعدة. شعرت أم صديقي بحرارة تسري في عروقها. كيف تتقن طفلة صغيرة هذه اللغة وهي لا! هل ستمنحها نوف وقتها عندما تأتي إلى الرياض أم أنها ستعانق مَن يفهم كل ما تقول وتردد! كانت تتحدث الأم مع ابنها وهي بجوار المدفأة، إلا أن الأعاصير التي تنشب في داخلها بسبب كلمة حفيدتها تكاد تقتلعها من مكانها. انتهت المحادثة المباشرة بين الابن ووالدته، وبدأت الأم جدياً التفكير فيما حدث وما سيحدث.

لقد اعتادت هذه الأم على التميُّز في كل شيء. لا تقبل أن تكون أقل من غيرها وإنما الأفضل دائماً. قد لا تحتاج هذه الجدة إلى اللغة الإنجليزية لتثبت جدارتها، فلديها ما يكفي من إنجازات على الأصعدة كافة، إلا أن عبارة حفيدتها أوجعتها قليلا. خاضت غمار تجربة جديدة، تجربة دراسة اللغة الإنجليزية، سجلت في معهد متخصّص دون أن يعلم أحد. كانت تذهب أربع ساعات صباحاً إلى المعهد. وتدرس ساعة مساءً.

بعد نحو عام ونصف من المحادثة العاصفة استقبلت جدة صديقي ابنها نايف وزوجته وحفيدتها نوف في المطار عند قدومهم إلى الوطن.

تحدثت الجدة طوال الطريق من المطار إلى المنزل مع حفيدتها باللغة الإنجليزية وسط دهشة الجميع. كانت الجدة تكافح وهي ترصف كلماتها، لكنها أسرت الجميع بقوة إرادتها. عند وصولهم إلى المنزل ناولت الجدة نوف هديتها، وسألتها أن تساعدها على حفظ بعض الأناشيد باللغة الإنجليزية، وأنها بدورها ستقوم بمساعدتها على حفظ بعض سور القرآن. تقول موجهة الحديث إلى صغيرتها “لا عذر لكِ بعد اليوم. فأنا مثل والديك أتحدث اللغة الإنجليزية”.

كم مرة ألقى طفل على مسامعنا كلمة مزعجة، لكن القليل مثل أم نايف. لقد حوّلت العبارة الموجعة إلى مبادرة مشجعة، حفزتها وألهمت قريباتها وصديقاتها.

لم تتذرع أم نايف بعامل السن أو الوقت، استطاعت أن تثبت لحفيدتها أنها تستطيع. إن أبشع الأغلال هي التي تسكن رؤوسنا، وتحول دون تطورنا ونمونا.

عبدالله المغلوث

التعليقات 4 على “كيف تعلمتْ أمّ صديقي الإنجليزية؟”

  1. omar AL-NAHDI علق:

    فعلا ً ……… إن أبشع الأغلال هي التي تسكن رؤوسنا، وتحول دون تطورنا ونمونا.

  2. براء حامد حسن الجهني علق:

    العزيمة تنمو بداخلنا كالطفل ان لم نهتم بهذا الطفل ستقل مناعته وتصيبه الامراض حتى يهرم قبل ان ترى عيناه النور

  3. CherryMoi علق:

    الإنسان يستطيع ان يغير ويطور و يعدل ويغتنم الفرص ولكن البعض من يقبع خلف اسوار خيباته ويأسه

  4. اكرم الشرفاء علق:

    جدة مثابرة ما شاء الله … وراء كل نجاح اصرار وعزيمة

    شكراً استاذ عبد الله على المقال الرائع

أضف تعليقاً