لوسين

مازال هناك الكثير من المشاريع التي لم تطرق، والنكهات التي لم تستهلك، والأفكار التي لم تتداول. تحتاج إلى من يعثر عليها فقط ويقدمها لنا على طبق. وتأكدوا أنها ستسيل لعابنا وامتناننا.

مطعم لوسين

مطعم لوسين

اتفق الصديقان، مازن المقبل، وبندر الدامر، وشركاؤهما، الذين تستهويهم شرائح اللحم المشوية، للحصول على وكالة مطعم شهير متخصّص فيها؛ لافتتاحه في الرياض، بعد أن تذوقوا عدداً من أطباقه خلال رحلاتهم إلى أوروبا.
حددوا المكان والزمان لافتتاحه. لكن قبل الشروع في تنفيذ الإجراءات النهائية تلقى بندر اتصالاً من شقيقه عبدالله القادم طازجاً من دبي، يحذره من الحصول على وكالة هذا المطعم؛ لقد تذوق بعض أطباقه ولم تعجبه. أجبر هذا الاتصال بندر ورفاقه على مراجعة الفكرة. ذهبوا إلى فرع المطعم في دبي، وبصحبتهم ملاحظات عبدالله. بعد تفكير طويل قرروا الانصراف عن الوكالة. خشوا أن يتأثر مطعمهم الجديد بسمعة فروعه الأخرى.
عانى الفريق كثيراً بعد تعثّر مشروعهم. حزم مازن حقائبه متوجهاً إلى أرمينيا لقضاء إجازة خاصة والابتعاد عن الضغوط والتفكير في مشروع آخر. خلال رحلته الاستجمامية في يريفان (العاصمة) استوقفه مطعم محلّيّ. اصطاده بلافتته الأنيقه والحجر المرصوف بعناية خارجه. دخله مدفوعاً بالفضول والجوع الذي اجتاحه إثر رائحة الطعام الشهيّ، التي تقوح من أرجائه. تحوّل الإعجاب إلى عشق بعد أن تناول أطباقاً عدة منه. سحره المزيج اللبناني والأوروبي في الأكل الأرمني؛ خليط شرقي وغربي مثير. قرر مازن في تلك اللحظة أن يكون مشروعهم القادم مطعماً على الطراز الأرمني، بعد أن أجرى اتصالات عدة مباشرة مع شركائه.
قبل أن يهمّ مازن بمغادرة المطعم تقدم نحوه الطاهي، وهو يحمل ابتسامة كبيرة وطفلته الصغيرة. شكره على زيارته، متمنياً أن تكون الوجبات التي أعدها نالت استحسانه. أثنى مازن بدوره على حسن الوفادة والطعام، ثم طبع قبلة على رأس ابنة الطباخ الصغيرة وسألها عن اسمها فأجابت: لوسين. وأكمل أبوها: معناه القمر بالأرمنية.
عاد مازن إلى الرياض، لكن مازال عقله في يريفان. خطف مشروع المطعم الأرمني قلبه وجوارحه. اختار اسم المطعم في الطائرة. سيكون على اسم الطفلة القمر، لوسين. أما شعار المطعم فسيكون مستوحى من ثمر الرمّان، الذي يشكل رمزاً ثقافياً مهماً في الحضارة الأرمنية. لم تكد الطائرة التي تحمله تحطّ في مطار الملك خالد بالرياض، إلا ومازن انتهى من رسم الخطوط العريضة للمطعم الجديد.
انشغال مازن وبندر ورفاقهما بالمشروع، جعلهم يتواصلون مع الكثير من المتخصّصين في المطبخ الأرمني لاستثمار تجاربهم. كان من بين هؤلاء السيدة اناهيد دونيكيان، لبنانية من اصل أرمني. وهي طاهية شهيرة لديها أكثر من مؤلف في الطهي.
قابل مؤسسو المشروع عشرات الطهاة الأرمن حتى توصلوا إلى قائمة طعام منوعة.
لم يكتف مازن وأصدقاؤه بوضع الرمّان شعاراً. كان حاضراً في الأثاث والحجر والأطباق.

يستلقي الرمان على هوية وأطباق لوسين

يستلقي الرمان على هوية وأطباق لوسين

افتتح المطعم في مجمع سنتريا مول التجاري بجوار مطعم نودل هاوس (الذي تمتلك شركتهم وكالته في الرياض) في 14 فبراير 2011، بعد نحو عام من التفكير والتخطيط والتصميم والعمل المضني. كان الاقبال كبيراً. لكن كان المؤسسون قلقين على أنه مجرد شهر عسل سرعان ما سينقشع. خابت توقعاتهم. ازداد الإقبال يوماً بعد يوم، حتى بات المكان لا يتسع للزبائن إلا بالحجز المسبق.
إن هذا المشروع يعطينا دلالة واضحة على أن العمل متى كان مختلفاً وفريداً فسيجد الكثير من الفضول والنجاح.
الأشياء الجديدة دائماً تثير الأسئلة والإعجاب متى قدمت بطريقة متقنة.
مازال هناك الكثير من المشاريع التي لم تطرق، والنكهات التي لم تستهلك، والأفكار التي لم تتداول. تحتاج إلى من يعثر عليها فقط ويقدمها لنا على طبق. وتأكدوا أنها ستسيل لعابنا وامتناننا.

عبدالله المغلوث

التعليقات 5 على “لوسين”

  1. Passing by علق:

    مقالٌ سلسٌ و….مطعم جميل.
    لكن كيف تعرف (وشركاؤهم) لشخصٍ فضوليٍ مثلي.
    شكرا عبدالله

  2. wadha alzubairan علق:

    حقيقة بأن الحضارة تبنى على ركيزتين هي إما التقليد أو الإقتباس
    ومع توسع الأفكار والآفاق لابد أن تكون هناك بهارات ونكهات لم تضاف ولم يستفاد منها تحتاج إلى مبدع يلون أطباقنا بها سواء على مائدة الطعام أو على مائدة الإبتكار والإبداع

    شكرا أستاذنا مقال أكثر من رائع

  3. Salem علق:

    مميزة الفكرة و الاصرار عليها يعطي نكهة وبهارات لذيذة..

  4. مريم علق:

    ما شاء الله
    رائع رائع رائع !
    أنا من الأاشخاص المقصرين في القراءة لكن أسلوب كتابتك د. عبدالله جعلني أحب القراءة

  5. إيمان جابر علق:

    هؤلاء من هم مثل مازن أشخاص لم يكتفوا بالوصول الى الهدف بل حرصوا ان تصل أهدافهم الى اعلى درجات الجودة والتميز فكانت أهدافا ذات مذاق لذيذ ومميز كمقالك الذي أشعل حماسي لزيارة ذلك المطعم

أضف تعليقاً