كيف نقطف الألم؟

 إن آلامنا مثل الورد، تضيء حياتنا، بعد أن ننتزع منها الشوك، ونقطفها بحذر.

من أعمال أماني، من وحي معاناتها

من أعمال أماني، من وحي معاناتها

فُوجئت المصمّمة الشابة، أماني سلمان السعد، وهي تقوم بالعمل على أحد مشاريعها الفنية أنها لا تستطيع التحكم في أطرافها. راجعت أكثر من طبيب في لندن، التي تبتعث للدراسة فيها، لكن كل طبيب كان يعطيها تشخيصاً مختلفاً إثر صعوبة قراءة أشعة الدماغ وتعقد ظروفها الصحية.

زاد وضعها سوءاً عندما شخّصها أحد الأطباء بإصابتها بمرض تصلُّب الأنسجة المتعدّد الذي يتسبّب تدريجياً في تدمير الخلايا العصبية.

عاشت أماني وضعاً نفسياً صعباً. كانت تتساءل: كيف ستعيش؟ كيف سترسم؟ هل ستستطيع أن تقف؟ هل ستفقد القدرة على الكلام؟ كان رأسها المتعب يضج بالأسئلة بينما والدها يحمل أشعتها المقطعية من طبيب إلى آخر، بحثاً عن إجابة مطمئنة أو علاج يحمي ابتسامة ابنته.

استدعى استشاري أعصاب بعد أسابيع من البكاء والنحيب والتكهنات، أماني لكشوف إضافية وأشعة جديدة. كشفت الفحوص الأخيرة أن ما تعانيه أماني هو (التهاب في الدماغ) تستطيع أن تتجاوزه – بمشيئة الله – بعد الخضوع إلى العلاج المكثّف المطلوب. غيّر المرض طريقة تفكير أماني تماماً رغم تماثلها للشفاء. أصبحت شخصاً آخر. انتهجت خطاً فنياً جديداً. باتت تقدم لوحاتها وتصاميمها بطريقة مبتكرة من وحي معاناتها. ترسم مشاعرها على صورة أشعة رأسها المقطعية.

amani

تتحدث أماني أمام زوار معرضها في تشيلسي بلندن

لفتت أماني الأنظار في مشاركتها في معرض الرسم الرقمي في تشيلسي وغيرها من المعارض الذي شاركت فيها بعد مرضها. كانت لوحاتها تثير أسئلة واهتماماً كبيرين جعلها محور حديث الزوّار.

برزت لأماني لوحة ذكية رسمتها على صورة من أشعة رأسها. ووضعت في مكان الالتهاب في دماغها الذي كان مصدراً لقلقها وردة تضيء وسط الظلام محاطة بالآية الكريمة: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”.

تميّزت أماني بلون جديد أثار الإعجاب والتقدير وأسَّس لمستقبل واعد في انتظارها.

استطاعت أماني أن تحوّل الألم إلى ورد. فرغم أنها لا تزال تعاني تداعيات المرض وإرهاصاته إلا أنها لم تتوقف، بل تأملت فيما تملك وحرصت أن تستثمر كل خلاياها الإبداعية في سبيل إشاعة العطر في الأرجاء.

يقول بدر شاكر السياب:

“لك الحمد مهما استطال البلاء

ومهما استبدّ الألم،

لك الحمد، إن الرزايا عطاء

وإن المصيبات بعض الكرم”.

نغفل دائما أن للابتلاءات جوانب مضيئة ومشرقة وإيجابية تجعلنا نشعر بحجم الكثير من النعم التي كنا لا نستشعرها ونشعر بها.

إن آلامنا مثل الورد، تضيء حياتنا، بعد أن ننتزع منها الشوك، ونقطفها بحذر.
عبدالله المغلوث

التعليقات 2 على “كيف نقطف الألم؟”

  1. wadha alzubairan علق:

    “لك الحمد مهما استطال البلاء

    ومهما استبدّ الألم،

    لك الحمد، إن الرزايا عطاء

    وإن المصيبات بعض الكرم”.

    ربي لك الحمد

  2. إيمان جابر علق:

    دائما ما يولد الإبداع من رحم المعاناة التي اتخذتها أماني إلهاما لكل من استسلم للأسى من خلال لوحاتها الأخاذة بما تحمله من رسائل أمل وتفاؤل . أتم الله عليها نعمة الشفاء .
    شكرا لمقالك سيدي ~

أضف تعليقاً