عندما يتحول الشقاء إلى شفاء

إن أكثر الأشخاص عرضة للمشكلات والتحديات والصعوبات هم أكثرهم إصرارا من غيرهم على النجاح. لم يعد الألم شبحًا يهددهم ويفزعهم. صار واقعاً يقاتلونه ويسقطونه.

ابنا السيدة ابتسام الجفري، التوأم، هاشم وعمر (من ألبوم والدتهما)

ابنا السيدة ابتسام الجفري، التوأم، هاشم وعمر (من ألبوم والدتهما)

معظمنا يتخذ قرارات يندم عليها. نبذل قصارى جهدنا أن ننقذ ما يمكن إنقاذه. بيد أننا لا نستطيع، لكن الله سبحانه وتعالى له حكمة يحول ما كنا نعتقده شرا إلى خير دون أن نعلم. يكافئنا على صبرنا بأن يحول الأيام العصيبة التي عشناها إلى قطار يقلنا، إلى محطة أفضل بعد أن تزودنا بالأناة والتؤدة والحِلم، التي تضفي قوة إلى شخصيتنا تساعدنا في إدارة رحلتنا الممضة والشائكة في دروب هذه الحياة.

السيدة ابتسام الجفري، أحد هؤلاء، الذين تحوَّل مصدر شقائهم إلى شفائهم. التحقت ابتسام بتخصص غذاء وتغذية بجامعة الملك عبد العزيز في جدة أملا أن تصبح إخصائية تغذية حسب الخطة الجامعية. لكن بعد مرور عامين ونصف اكتشفت أنه لا خيار وظيفيا أمامها، وقتئذ، سوى العمل في وظيفة معلمة تدبير منزلي، التي لا تروق لها، ما جعلها تقاتل في سبيل تغيير التخصص دون جدوى. فالتغيير يتطلب أن تبدأ من جديد بينما لم يتبق لها سوى النزر اليسير من المتطلبات لتتخرج. رضخت ابتسام إلى الأمر الواقع وتابعت دراستها متناسية آلامها حتى تخرجت بامتياز مع مرتبة الشرف. بعد نحو عشرة أعوام من قرارها اكتشفت ابتسام حكمة الله في استمرارها في تخصصها. وذلك عندما أصيب ابناها التوأم هاشم وعمر بمرض السكر من النوع الأول. استثمرت معلوماتها وخبراتها التي اكتسبتها من دراستها الجامعية في تحديد الحصص والوجبات الغذائية لابنيها لأخذ جرعات الإنسولين وفق برنامج غذائي منضبط.

لاحظت ابتسام أن البرنامج الغذائي الدقيق الذي يخضع له ابناها هاشم وعمر ساعدهما على التعايش مع هذا المرض بمرونة ودون مشكلات كبيرة كالتي يعانيها العديد من الأطفال المصابين الذين لا يملك آباؤهم ثقافة غذائية.

تعتقد ابتسام أن دخولها لهذا التخصص كان خيرا واستمرارها فيه رغما عنها كان خيرا أكبر. يقول الله تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ). إنني أكرر هذه الآية كثيرًا؛ لأن الحياة لا تكف أن تصافحني بقصص وأشخاص وتجارب تنطبق عليهم بكل دلالاتها وأبعادها.

ما حدث لابتسام لم تنعكس فوائده على وضع ابنيها الصحي فحسب، وإنما على حياتها برمتها. باتت أكثر إيمانا بأن التحديات التي تعترض طريقها هي كالهتاف الذي تطلقه الجماهير للمتسابقين. يحفزها ويزيدها إصرارا على المحاولة ومتابعة المشوار لتتوشح الذهب وترتقي منصات النجاح.

خاضت ابتسام تجارب عملية متفاوتة منذ تخرجها في الجامعة لم تكمل فيها طويلا. تذوقت مرارة الفشل والخسارة والخيبة كثيراً. لكن منحتها التجارب القدرة على المواصلة. لقد ألهمتها الخبرة والهمة والعلاقات؛ لافتتاح منصة حديثة باسم “تراس“؛ لدعم المصممين والرسامين والمصورين؛ للاستفادة ماديا من أعمالهم مع حفظ حقوقهم الفكرية.

لا أخاف على من لا يخاف خوض التجارب. ينصب كل خوفي على أولئك الذين يخافون لأنهم سيقبعون في سجون التردد.

إن أكثر الأشخاص عرضة للمشكلات والتحديات والصعوبات هم أكثرهم إصرارا من غيرهم على النجاح. لم يعد الألم شبحًا يهددهم ويفزعهم. صار واقعاً يقاتلونه ويسقطونه.

منح الله، ابتسام، هدية عظيمة تتمثل في بقائها في مكان لا تبتغيه. فرزقت بخير وفير جراء ذلك. خير يتجسد في قدرتها على التعايش بوعي مع وضع ابنيها الصحي، ومواجهة التحديات بروح متفائلة جموحة.

لا تقنطوا من رحمة الله وتذكروا أن هناك حكمة إلهية وراء الأزمات التي تعترينا. قد لا نكتشفها مبكراً. لكن سنعثر عليها. لذلك استمتعوا بحياتكم وتذكروا أنكم أوفر حظا من غيركم. فما زال للرحلة بقية. حولوا أيام الشقاء إلى مصدر للشفاء ووقود للعمل فمن تألم هو من تعلم.

عبدالله المغلوث

تعليق واحد على “عندما يتحول الشقاء إلى شفاء”

  1. سمية علق:

    قد يكون سؤال أكثر منه تعليق .. !!!!

أضف تعليقاً