الاستشفاء بالرحيل

الرحيل، كالدواء نضطر إلى أن نتجرع مرارته

كيفن سيستروم (يمين) وبجواره مايك كريجر

كيفن سيستروم (يمين) وبجواره مايك كريجر

من أصعب القرارات، التي تواجه المرء في مجتمعاتنا العربية قرار الرحيل عن وظيفة أو مجال أو مكان. إذا ارتبطنا بشيء ظللنا أسرى له كأنه حكم مؤبد.

لا بأس أن نستمر في مكان يمنحنا السعادة ونحصد فيه ما زرعنا، لكن من الانتحار أن نبقى في جهة تستنزف طاقتنا بلا مقابل وتبتلع أحلامنا.

الرحيل، كالدواء نضطر إلى أن نتجرع مرارته؛ لنشفى. الكثير شفوا من أحزانهم وآلامهم وأوجاعهم عندما غادروا أماكن أو حتى أشخاصا.

ضحكوا علينا بأمثال كـ: ”امسك مجنونك لا يجيك أجن منه”، أو ”امسك قردك لا يجيك أقرد منه”. صار هذان المثالان وأشقاؤهما سيوفا مسلطة على أعناق أي شخص يرغب في خوض تجربة جديدة فلا يخوضها. فهذه الثقافة اليائسة التي ترفض الجديد وتعزز الانهزامية حرمت الكثير منا من طرق أبواب واعدة بحجج وذرائع واهية.

تؤكد سيرة الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم، ومن بعده الصحابة ـــ رضي الله عنهم، وحديثا العلماء المعاصرين، أنه لا نجاح في رحلات كلاسيكية. النجاح سيكون حليف كل من سعى وراء هدفه بكل ما أوتي من شغف وحماسة وإيمان.

أكثر اللحظات صعوبة هي لحظات التفكير بقرار المغادرة. إنه كالحمل تمامًا يرهق ويتعب ويوجع. لكن النتيجة تستحق هذه التضحية.

لقد قرر الشاب كيفن سيستروم، أن يغادر شركة جوجل الشهيرة، التي كان يصعد فيها؛ لأنه مؤمن بأن هناك خيارًا أشهى في انتظاره حتى لو كان صغيرًا وغير واضح المعالم. فالورد الزاهي الجميل ينهض من بذور صغيرة. تحالف كيفن مع زميله مايك كريجر وأسسا في تشرين الأول (أكتوبر) 2010 تطبيق إنستاجرام لمشاركة الصور بعد أن انصرف الأول عن ”جوجل” والثاني عن ”مايكروسوفت”. لو ظلا في مكانيهما السابقين لما استطاعا أن يحققا حلمهما ويؤسسا الموقع الذي أصبح الملاذ الافتراضي لملايين المستخدمين في شتى أنحاء العالم.

الرحيل لا ينحصر في وظيفة أو جامعة. أحيانا ينبغي أن نرحل عن صديق أو رفيق. يفضل أن نعيد حساباتنا في قائمة أصدقائنا. بعض الأصدقاء يحولون حياتنا إلى جحيم بسبب روتينهم ونمط حياتهم الرتيب. قد تنتقل العدوى السلبية منهم إلينا وحينها سنكتسب صفاتهم وننغمس في سوداوية تغمر حياتنا وتؤثر في مستقبلنا.

إذا فقد أحدنا الرغبة في التغيير عليه أن يفتش مليا في أعماقه ومحيطه لعل هناك ما يستحق أن ننفصل أو ننصرف عنه. ينبغي أن ننتزع بعض ما يحول بيننا وأحلامنا.

إن الرغبة في التجديد غريزة إذا انطفأت علينا أن نبحث عن السبيل في إشعالها مهما كلف الأمر.

قد يكون الثمن باهظا للعودة إلى فطرتنا. قد يتطلب تغييرا رئيسا في حياتنا. التحلي بالشجاعة هو الخطوة الأهم لاستعادة طموحنا الذي يضيء مشوارنا الشائك.

علينا أن نؤمن بأن الرحيل كالقهوة مرة لكنها ضرورة تمنح أيامنا إثارة جديرة به.

عبدالله المغلوث

التعليقات 7 على “الاستشفاء بالرحيل”

  1. إيمان علق:

    كلمة رائع قليلة بحق هذه الكلمات ..
    دعواتنا لك بالتوفيق

  2. A L I علق:

    الإبداع يحتاج لبيئة تضجّ بالتحدّيات، شكراً لك دكتورنا العزيز ..

  3. MA علق:

    كُلُ شيء يُمل عدا مقالاتك

    أستاذي بين الأحد والخميس نعيش قرناً ننتظر كلماتك تلك التي تلهمنا …ننتظر قصة الأحد لتخفف علينا أسبوع عمل ثقيل ، مُمل ….يأتي الخميس وتولد مقالتك فنعيش العطلة مُلهمين متحمسين للعمل والإنجاز .

    أتمنى أن تكتبني كلماتك يوماً أن تعبر عن ما أنجزته لوطن يحملني ولمجتمع أنتمي إليه .

    شكراً لك

  4. راحله :) علق:

    رحلت عن زوجي السابق, حصل الانفصال قبل 7 أشهر
    كان قرارا صعبا , قاسيا , بل مؤلما

    والآن حين أرى نتيجة قرار الرحيل المبهره
    وما وجدت من بدائل تستحق سجود شكر لليال طويله

    أحمد الله ليلا ونهارا

    الحمد لله :”)

  5. Bek.Amira علق:

    صدقتَ حين قلت : إن الرغبة في التجديد غريزة إذا انطفأت علينا أن نبحث عن السبيل في إشعالها مهما كلف الأمر… فمقالك هذا هو الشرارة التي سأستعين بها على إحياء رغبتي في التجديد ما إن فترت .. بارك الله في قلمك .

  6. ملاك علق:

    أستاذي كلماتك باتت تصنع أحلامي
    لك شكري وامتناني مقاله أعجبتني ينبع منها الأمل لغدِِ أجمل

  7. bunboona علق:

    فعلا !!

    شكرا لك

أضف تعليقاً