بائع الكليجا

 لقد حان دورنا لنقوم بتحطيم كل الخرافات التي تقف حائلا أمام إبداعنا وتحليقنا

جهاد العمار

جهاد العمار

يعتقد جهاد العمار، مواليد 1983، أن خطوة بيعه (الكليجا) صغيرًا، أمام المسجد، كانت خطوة مفصلية في حياته. لقد جعلته هذه المحاولة المبكرة، وهو في الصف الرابع ابتدائي، أن يتحرر من الكثير من القيود النفسية. كان يشعر بحرج شديد عندما يدفع العربة، التي تقل بضاعته من سيارة والده إلى الرصيف المجاور. الرحلة القصيرة من السيارة إلى الرصيف باتت طويلة وممضة. يخامره إحساس، وقتئذ، أن أبصار المصلين بأسرهم متجهة نحوه. يحس أنه هو البضاعة وليس الكليجا. مع مرور عدة أسابيع تخلص جهاد من الخجل، الذي كان يرتديه. خلع الخوف، الذي كان يعتريه، ويتحول إلى قطرات عرق تهطل من جبينه في عز الشتاء.

ساعدته هذه التجربة الصغيرة كثيرا على تطوير مهارات تواصله. لم يعد منطويا كما كان. صنع أصدقاء داخل المدرسة وخارجها نقلوا له عدوى الولع بألعاب الفيديو والشغف بالكمبيوتر.

عندما أنهى مرحلة الثانوية بتفوق تقدم إلى برنامج أرامكو السعودية للابتعاث الجامعي. تم قبوله في تخصص (هندسة البترول)، لكن رأى جهاد أن هذا الخيار لا يتلاءم مع رغبته الشخصية. اعتذر عن الالتحاق ببرنامج أرامكو وقدم على برنامج التأمينات الاجتماعيات في تخصص الكمبيوتر، الذي يستهويه.

جهاد العمار، فور أن شرع في الدراسة بأمريكا عام 2000، الصورة من مدونته، إرهاصات جهاد

جهاد العمار، فور أن شرع في الدراسة بأمريكا عام 2000، الصورة من مدونته، إرهاصات جهاد

ابتعث إلى الدراسة عام 2000 إلى ولاية كانساس الأمريكية. هناك بدأت علاقته مع الكمبيوتر تنضج. الكمبيوتر مجال واسع ورحب. كان عليه أن يختار شيئا محددا يميل نحوه ويستثمر فيه وقته وجهده. اختار البرمجة. تعلم أساسياتها في الفصل لكن تفاصيلها خارجها. استفاد من العديد من المقاطع البرمجية المصورة والدروس المتوافرة في المنتديات العربية والأجنبية.

الكتاب، الذي غير نمط تفكير جهاد تجاه شغفه

الكتاب، الذي غير نمط تفكير جهاد تجاه شغفه

كان يقضي جهاد في أمريكا جل وقته بين مختبر الكمبيوتر ومكتبة الجامعة. أثناء زيارته اليومية إلى المكتبة شده كتاب حديث، آنذاك، باسم The Search لجون باتيل. كان عنوان الكتاب مستوحى من شعار محرك البحث الشهير، ”جوجل”. ويتناول الكتاب قصة صعود ”جوجل” والتحديات التي واجهت تأسيسها. استعرض الكاتب الظروف والملابسات والأفكار والتمويل وأغلبية العناصر، التي أسهمت في نجاح هذا العملاق، الذي بات رفيقا يوميا لمعظم البشر حول العالم.

كان هذا الكتاب بمثابة جرس استيقاظ لجهاد. استفزه ليعمل على مشروع على نحو مؤسسي، أن يستثمر كل لحظة يقضيها أمام الشاشة. كيف يبدأ مشروعه وكيف يتدرج فيه حتى يكبر ويشتد عوده.

كان من بين الأسئلة التي واجهت جهاد: ما المشروع الذي يستحق أن يستثمر فيه وقته وحلمه؟ كيف يجد فكرة تجد قبولا في مجتمعه؟

لمعت في رأسه فكرة مشروع كموقع أمازون للتسوق الإلكتروني. لكن يؤمن جهاد أن الواقعية هي الخطوة الأولى في طريق نجاح أي عمل. وموقع مثل أمازون يتطلب بنية تحتية وفريقا كبيرا. انصرف عن هذه الفكرة. رأى أن المطاعم في السعودية تحظى بإقبال كبير. فلمَ لا يؤسس موقعا يقيّم أداء هذه المطاعم. يترك كل زبون تقييمه وانطباعه الشخصي عنه حتى تكون هذه المراجعات خيارا متاحا للجميع قبل زيارة أي مطعم.

واجه جهاد معارضة واسعة من أقرب زملائه المبرمجين، الذين يرون فشل أي مشروع عربي يعتمد على الجمهور في بناء المحتوى. لكن أصر جهاد على أن كل ما يثار في هذا السياق محض خرافة مؤمنا بأنه إذا برمج موقعا جيدا سيتهافت عليه الجمهور وسيثرونه. فاز جهاد بِرهانِه. فموقع (قيّم)  يحقق اليوم نجاحا هائلا. بات مصدرا للمراجعات والانطباعات والتقييم لمعظم المطاعم السعودية.

هذا النجاح الكبير الذي بدأه جهاد منذ عام 2007 في تأسيس (قيّم) جعله يقدم استقالته من عمله الرسمي ويتفرغ للتوسع في تطوير مشروعه واستثماره الذي يدر عليه عوائد مجزية، والأهم الاحترام والتقدير الذي يناله يوما بعد يوم.

يعمل مع جهاد حاليا أربعة موظفين بدوام كامل. واستطاع أن يحصل على دعم حاضنة بادر التي وفرت لشركته الاستشارات التجارية والقانونية الأساسية التي جعلت (قيّم) تتجاوز تحديات البدايات العسيرة.

لقد حان دورنا لنقوم بتحطيم كل الخرافات التي تقف حائلا أمام إبداعنا وتحليقنا. لن نستطيع أن نرتفع ونحن واقفون. فالطائرة تحتاج إلى أن تسير ثم تركض قبل أن تطير.

عبدالله المغلوث

تعليق واحد على “بائع الكليجا”

  1. Bek.Amira علق:

    واااو ,,, يا له من إلهام.
    أحببت الفكرة و احببت القصة و وقعت في غرام الأمل ,,, الأمــــــــــــل هو كل ما ينقصنا في العالم العربي ، صعب أن تحلم لنفسك و لوطنك في وطن حتى الحلم فيه حرام.
    أحيانا رغما عنك تفقد الأمل و تيأس ، عندما تقابل جهودك بالجحود و الرفض ,,, بعضنا شاب و هو في ريعان شبابه بسبب صفق الأبواب في وجوههم فمحوا ابتسامة التفاؤل و أحالوها إلى تجاعيد و دموع قهر .
    أتمنى أنمنى أن أصحو في يوم ما على وطن يحبني بقدر ما أحبه و يدعمني نصف ما أملت أن أفيده به.

أضف تعليقاً