دعوة حضور إلى أمك المتوفاة

إن أشد النزيف مكرًا هو النزيف الداخلي.

من يحقن دموع أطفالنا؟

من يحقن دموع أطفالنا؟

مرّ أحد أقاربي بيوم عصيب جدًا حينما هطلت عليه ابنته الصغيرة كغيمة مطر. كانت تنزف بغزارة. غمرت المنزل بدموع غزيرة. كانت تحمل في يدها دعوة من معلمتها إلى والدتها لحضور مجلس الأمهات. المشكلة تتجسد في أن هذه الصغيرة ليس لديها أم. لقد ماتت أمها بعد أن وضعتها بشهور. لكن المشكلة الأكبر تكمن في خطاب المعلمة الموجه نصا إلى أمها.
اقترفت المدرسة خطأ جسيما عندما ذكّرت هذه الطالبة الصغيرة بمأساتها غير مكترثة بعواقب هذه الدعوة غير المسؤولة على نفسيتها المخدوشة.
كان من الأحرى أن تقوم مدرستها بمراعاة مشاعر الطالبة. أن تحرص بشدة على قلبها الرقيق عبر توجيه الرسالة إلى جدتها أو خالتها أو عمتها أو أختها بعد التنسيق مع ولي أمرها. اتصال قصير كان سيمنع نزيفا طويلا.
من أزماتنا الحقيقية في مجتمعاتنا العربية أننا لا نلتفت إلى هذه التفاصيل المهمة في حياة هؤلاء الأطفال. لا نعيرها اهتمامنا فنعمق الجروح، التي تسكنهم ونضاعف آلامهم.
بعض أطفالنا، ممن حرموا من والديهم؛ لظروف متفاوتة، تسكنهم براكين خامدة، تتطلب تعاملا إنسانيا شفيفا يجنبها الاستيقاظ وإحداث ما لا تحمد عقباه.
إن وظيفة المعلم أخطر وأعظم وأنبل مهمة. تحتاج إلى قدر كبير من المسوؤلية والدقة والإنسانية.
هذا العمل الميكانيكي غير المسؤول، الذي تقوم به مدارسنا تجاه أطفالنا يستحق وقفة تأن ومراجعة لخطابها التربوي.
منذ أن روى لي قريبي حادثة ابنته وأنا أقرأ بعناية شديدة كل خطاب يصل إلى ابنتي، التي تدرس المرحلة الابتدائية في مانشستر في بريطانيا؛ لأقف على الآلية والطريقة، التي توجه بها مدارسهم خطاباتها.
لم أقرأ منذ ذلك اليوم خطابا موجها نصا إليّ أو إلى أمها. يكتب الخطاب عاما. يوجه إلى والديها إضافة إلى خيار آخر وهو ولي أمرها. لا يحدد طرفا بعينه مهما كانت ظروف الخطاب وملابساته.
كم حقنت هذه اللمسة الصغيرة من دمعة؟ قطعا، الكثير.
إن هذه الخطابات المبكرة، التي يتلقاها أبناؤنا وإخوتنا في صفوفهم الأولية هي رسائل تحمل أبعادا عميقة. قد يقرأها الطفل مرارا وتكرارا، وفي أحيان قد يدخرها في أدراج صدره أو غرفته. فلمَ نحولها من نعمة إلى نقمة؟ من دليل اهتمام إلى شهادة عدم اكتراث.
إننا في أمس الحاجة إلى إعادة النظر في أسلوبنا التربوي؛ للمحافظة على أجيالنا المقبلة من التهشم والغرق في فيضانات الأحزان.
سيتفطر قلب أي شخص ناضج لو تلقى دعوة للحضور موجهة لأمه المتوفاة، فكيف بصغير؟ إنها مأساة تعكس حجم الخلل في منظومتنا التربوية.
ثمة اعتداءات عنف ترتكب يوميا في مدارسنا. اعتداءات لا ترى. لكنها تقتل. إن أشد النزيف مكرًا هو النزيف الداخلي.

عبدالله المغلوث

التعليقات 4 على “دعوة حضور إلى أمك المتوفاة”

  1. ف علق:

    انا طالبه في الثانويه وعندما يطلبون مني أتي لأكمال بيانتي لاني والدي متوفي فأنا اعرف عن تلك المعلمه المشرف على ذالك انها قاسيه جدا في تعامله ولكن عندما تعاملني تعاملني بحنان ورفق فأحببتها بسبب تعامله اللطيف
    واعتقد لو عاملتني بأسلوبها العادي لتتحسست
    نعم ان للمعامله طريق اما لتخفيف او لتعذيب

  2. Bek.Amira علق:

    جميل جدا ما تشير إليه في هذه المقالة لولا أنني أحس أنها موجهة إلى الأمة الخطأ ، أنا صراحة بدأ أيأس من هاته الامة ولا أريد أن أتكلم لولا أن ما أراه ينطقني.
    أنا شخصيا -و الحمد لله- لم أعض يوما هذا الظرف و لم أسمع بأحد تعرض له من مجتمعي لكن أسلوب التجريح في الكلام وارد دوما و لا تظنن أنه تجاه فاقدي الآباء أو المال أو … أحيانا حتى من يملك هاته الأشياء لفرط حسد الناس و حقدهم غير المبرر عليه قد يتململ من نعم الله عليه ، في مجتمعنا لا تملك أن تفرح بما تملك أو تقنع بما كتب لك … لا أدري لما و هو حال الجميع و مع ذلك لا يكفون عن النقد و النتقاد بدون أدنى حجة أو مبرر…….. نحتاج غسلا للأدمغة و إعادة تأهيل شاملة لهاته الأمة..

  3. نوره علق:

    صدقت أستاذي ابنتي تدرس بمدارس ارامكو وفعلا كل الخطابات او الايميلات توجه ب Dear Parents
    متى تصلنا هذه الثقافة ومتى توجد البيئه التعليميه الممتعه والتي تعتمد عالفهم والبحث والتحليل وليس الحفظ فقط!!
    قد لاتصدق انها اثناء مرضها تبكي لا تريد ان تغيب ولو ليوم واحد عن مدرستها!! هل تساءلنا عن السبب!!!
    ومتى يكف مجتمعنا عن الانتقاد والبحث عن السلبيات!! لدينا الكثير من الإيجابيات بحاجه لمن يكتشفها ويدعمها ويعززها داخلنا
    لازال لدي امل بالتغيير وان طال الزمن لابد من المحاولة

  4. نوره علق:

    كل مقال اقرأه اجمل واجمل من الثاني ماشاء الله تبارك الله ! افكارك والخفّه في ايصالك لفكره معينه من خلال وصف مُدهش لموقف واقعي تبهرني ماشاء الله ،
    واتمنى -ان كان بالإمكان- ان تضيف يا استاذي اختيار “مشاركة عبر الايميل” بجانب اختياريّ تويتر والفيسبوك، لكي يتسنّى لنا حفظها ونشرها في اماكن اخرى، لكم الشكر الجزيل

أضف تعليقاً