فلسفة الحزن

الصعوبات لا تقتل، الحزن هو القاتل

الصعوبات لا تقتل، الحزن هو القاتل

عندما كنت صغيرًا تمنيت أن أصبح كبيرًا. وعندما كبرت تمنيت أن أعود صغيرًا. إنها رسالة أن نستمتع باليوم قبل أن يغادرنا ونفتقده. ما أجمل أن نحتضنه ونبتسم معه وله. فهو الوحيد، الذي بوسعنا أن نصافحه ونعانقه ونلمسه. عيشوه قبل أن يرحل، وترثوه.

مشكلة الكثير منا أننا لا نعيش اللحظة. تائهون بين الأمس والغد. نتذكر الأمس بحسرة، ونترقب الغد بقلق. وننسى اليوم.

إن أكثر ما يحتاج إليه المرء منا هو الاستمتاع بالحاضر. بوسعنا أن نتذوق أشياء جميلة ونقوم بأشياء أجمل، لكننا انهمكنا في أحزاننا حتى جعلناها تسيطر علينا وتقضي على أوقاتنا الثمينة. الماضي رحل، والغد بيده سبحانه وتعالى، ولا نملك نحن سوى يومنا، الذي يمكن أن نديره كما نبتغي. بوسعنا أن نحوله إلى سرادق عزاء أو حفل زواج. الخيام، التي تنصب للمناسبتين هي ذاتها، والضيوف في كلتا الحالتين هم أقاربنا، وزملاؤنا، وأحباؤنا، بيد أنه وحدنا من يحدد عنوان المناسبة وطقوسها سواء أردناها تعيسة أم سعيدة.

يقول مصطفى المنفلوطي في كتابه النظرات: ”إن السبب في شقاء الإنسان أنه دائما يزهد في سعادة يومه، ويلهو عنها بما يتطلع إليه من سعادة غده، فإذا جاء غده اعتقد أن أمسه كان خيرا من يومه، فهو لا ينفك شقيا في حاضر هو ماضيه”.

ويردد عباس العقاد:

صغيرٌ يطلبُ الكِبرا

وشيخٌ ودَّ لو صَغُرا

شُكاةٌ ما لها حَكَمٌ

سوى الخصمين إن حضرا

ثمة إجماع على أننا غير قانعين بواقعنا. لكن هل هذه هي الطريقة السديدة لمواجهة أيامنا؟

جرّب أن تستيقظ من النوم وتستعيد الهموم التي تحاصرك. ماذا سيحل بيومك؟ سيكون غارقا في الضجر خاليا من الإنتاج. في المقابل، حاول أن تنظر ليومك بإيجابية. ستواجه واقعك بتفاؤل وأمل. ستعمل وتنتج وتبتهج.

إنني لا أدعو أن نتحرر من التزاماتنا أو نهرب من مشاكلنا أو لا نفكر في غدنا، ما أدعو إليه فقط هو أن نتذكر أن اليوم الذي نعيشه سيذهب وشيكا فعلينا أن نحسن وفادته قبل أن يغيب ونندم أننا لم نستمتع به ونمنحه ما يستحق من ابتسام واهتمام.

سبق أن كتبت: الصعوبات لا تقتل، الحزن هو القاتل. فمتى ما شرعنا للحزن الباب، سيجهز على حياتنا ويغتال كل لحظة فيها. إنه ضيف جشع. لن يغادرنا قبل أن يستنزفنا ولا يبقي ولا يذر. لكن المفتاح في يدنا. نحن من يملك خيار السماح للحزن للانقضاض علينا أو لا. دعوه يطرق الباب حتى يمل ويغادر أرجاءنا.

عبدالله المغلوث

التعليقات 2 على “فلسفة الحزن”

  1. غادة عبد المحسن المسلمي علق:

    كلام جميل جداً .. واقعي و مكتوب بكل بساطة ليصل الئ اكبر عدد من الأشخاص
    ليست المشكلة في ان نهمل سماع طرقات الحزن على الباب لكن المشكلة تكمن في قوة الخبط على الباب التي من الممكن إفزاع أقوى الأقوياء و من ثم الرضوخ للحزن و الفشل

    للمعلومة أستاذ عبدالله .. لم أجرؤ قط بالكتابة و التعليق بالعربية إذ ان لغة ثقافتي تتسم و تعتمد بشكل كلي على الانجليزية لكن بعد قراءة كتبك تشجعه و تعلمت و من ثم .. كتبت و هذا أكبر دليل على نجاح أسلوبك البسيط و البليغ في نفس الوقت على الوصول الى أمير شريحة من شباب المجتمع !
    دمت مبدعا نحن عطشى للمزيد

  2. الاء علق:

    كلامك رائع جدا بارك الله فيك

أضف تعليقاً