ما أعظم السؤال!

 

ما أعظم السؤال، حتى علامة الاستفهام تنحني تقديرا له.

أول مرة سمعت باسم ستانلي تانج في إعلان بجامعة بأمريكا قبل نحو ثلاث سنوات تقريبا. كان عمره، وقتئذ، لا يتجاوز 14 عاما. تساءلت بيني وبين نفسي من هذا الشاب الصغير الذي تدعونا الجامعة للتحلق حوله؟ ماذا يملك من إنجازات وإمكانات حتى نترك ما لذ وطاب من محاضرين ومحاضرات في سبيله؟

لم أذعن لنفسي الأمارة بالسوء وحضرت محاضرته تيمنا بالآية الكريمة “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”. لم يمهلني ستانلي كثيرا لأقع في غرام موهبته. سحرني تدفقه مبكرا. كان يرتجل كلمته بثقة تعلوه ابتسامة تتعاظم مع مرور الوقت. لو أغمضت عيني واستمعت إليه سأعتقد أنني أستمع لشخص في الخمسين وليس لفتى غض يافع.

أبهرني حديثه بالأرقام عن الأرباح التي حققها خلال العامين السابقين من خلال التسويق الإلكتروني وإنشاء المواقع. أدهشني كلامه عن كتابه: (إي ميليونز)، الذي حقق لاحقا أعلى المبيعات في موقع أمازون الشهير، وكيف استطاع أن يطور مهارته الكتابية والصحفية في هذه السن ليقدم عملا ممتعا ومفيدا معا. لكن أكثر ما أسرني في محاضرته حينما أرجع نجاحه إلى علامة الاستفهام. فهو يرى أن الأسئلة التي كان يرتكبها صغيرا هي التي دفعته إلى النجاح مبكرا. لقد كان ستانلي يسجل أسئلته في جهاز صغير، اشتراه له والده، ويقوم والده بالإجابة عليها كل يوم بعد أن يعود من دوامه. فوالده طلب منه أن لا يهمل أي سؤال. وكانت الأسئلة هي الغذاء الروحي لستانلي. كانت مفاتيح لنقاشات مبكرة مع أبيه وسعت مداركه وأثرت ثقافته. كان ستانلي يصطحب أسئلته وجهاز التسجيل معه أينما ذهب لاسيما عندما يتردد على متجر لبيع الأجهزة الإلكترونية. فستانلي يجد متعة كبيرة في توجيه الأسئلة للتقنيين عن بعض الأوامر الفنية في الأجهزة المختلفة. وكان يجد تجاوبا منقطع النظير ويحصل على إجابات دسمة. كان يفهم بعضها ويجهل أخرى. لكن تسجيله للحوارات جعله يحملها معه إلى المنزل ليستعين بوالده لمساعدته في فك طلاسمها. هذه الأسئلة هي التي صنعت نجاح هذا المليونير الصغير الذي يملك حاليا العديد من المنتجات والمواقع الإلكترونية. ستانلي (18 عاما) مليونير ليس بثروته المادية لكن التقنية التي أبهرت الجميع وجعلت اسمه ومنتجاته مقصدا للكثير من الإلكترونيين الشباب حول العالم رغم صغر سنه وحداثة تجربته. قد تستطيع أن تجمع مالا، بيد أنه من الصعب جدا أن تدهش الآخرين وتنال قبولهم. ستانلي جمع الحسنيين بفضل أسئلته وقبل ذلك البيئة التي توفرت له وشجعته على اقتراف الأسئلة دون توجس أو ريبة أو تردد.

إن أحد أسباب عدم تقدمنا كدول عربية هو تخوفنا من طرح الأسئلة منذ نعومة أظفارنا. هذا التخوف جعلنا في ذيل دول العالم نستهلك ما تصدره الدول المتقدمة من منتجات وثقافة. الطفل الطبيعي يسأل 400 سؤال في اليوم. لكننا نكبح جماح أسئلة أطفالنا ولا نلقي لها بالا. قد نجيبهم بابتسامة ونحن نداعب شاشة البلاك بيري أو الآي فون، أو لا نجيبهم إطلاقا. في المقابل، ينشغل الكثير من آباء العالم في الإجابة على تساؤلات أطفالهم. إنها تعنيهم أكثر من الملابس التي نصرف أوقاتا طويلة في سبيلها. إن الملابس تضيق على أطفالنا عندما يكبرون، بينما الأسئلة تكبر معهم. فيجب أن نسد جوع أسئلتهم بإجابات تحفزهم وتلهمهم. من المؤسف حقا أن نصف بعض الأسئلة بالصغيرة والتافهة. لا توجد أسئلة صغيرة وكبيرة. كل الأسئلة جديرة بالاهتمام. أحزن كثيرا عندما أشاهد أما أو أبا يقمع سؤالا لطفله. إذا قمعت سؤالا فإنك ربما أجهضت فكرة أو مشروعا.

إن كل المشاريع العظيمة نهضت من بذرة سؤال. الصمت والسكون لا يصنعان تنمية بل يصنعان تخلفا. إن للأسئلة عجلات تقود وتحرك وتؤثر. علينا أن نؤمن بالأسئلة ونتقبلها ونقبل عليها لننهض ونتحرك. ما أعظم السؤال، حتى علامة الاستفهام تنحني تقديرا له.

عبدالله المغلوث.

تعليق واحد على “ما أعظم السؤال!”

  1. قارئ علق:

    الحقيقه ان نصف اسئلتهم لانملك جوابا لها

    اختيار موفق اعجبتني العباره كثيرا
    ما أعظم السؤال، حتى علامة الاستفهام تنحني تقديرا له.

أضف تعليقاً