«يا رب تحترق مدرستنا»

 راق لي جدا أسلوب انتخاب القصة، يُصوت الطفل الصغير للقصة، التي يفضلها، إذا لم تفز يقبل بخيار الأغلبية، يتعلم هذه الثقافة مبكرا

فصل دراسي لأحد مدارس مانشستر الابتدائية، يزدهر بالأنشطة  والفعاليات المتنوعة والألوان والحجاب أيضًا.

يزدهر فصل دراسي لأحد مدارس مانشستر الابتدائية، بالأنشطة والفعاليات، والألوان ،والحجاب أيضًا.

يواجه أحد أصدقائي العائد للتو إلى الوطن مشكلة تتجسد في رفض ابنته (ثماني سنوات) الذهاب إلى مدرستها، كلما حاولت أمها إيقاظها صباحا هزتها الابنة الصغيرة بيديها متوسلة: ”ماما.. لا أحب هذه المدرسة، أريد أن أعود إلى مدرستي السابقة في بريطانيا”.

هناك شبه إجماع على عدم حب أطفالنا مدارسهم في أوطاننا العربية. القضية ليست في مبانيها، بعض مدارسنا الأهلية، التي يدفع لها أولياء الأمور دماء قلوبهم رسوما دراسية، أقرب إلى القصور من المدراس إثر فخامتها. الموضوع أكبر من ذلك بكثير. الموضوع يتعلق بالطريقة التعليمية والأسلوب التربوي.

دعيتُ يوما لقضاء حصة مع ابنتي (6 سنوات) في المدرسة الابتدائية الحكومية، التي تدرس فيها في مانشستر في بريطانيا. كان في الفصل معلمتان، واحدة رئيسة والأخرى مساعدة لها، عدد الطلاب فيه لا يتجاوز ثمانية، الفصل ليس تقليديا كالذي اعتدنا عليه، فلا توجد كراس وطاولات تتراص خلف بعضها البعض، هناك كراسي متناثرة حول المعلمة، مرسوم عليها صور فراشات وسحاب وقطط. شرعت المعلمة في بداية الحصة بقراءة قصة تم انتخابها بالأمس، لقد فازت بأكبر عدد من الأصوات من الطلبة، كلما فرغت المعلمة من جملة ردد الطلاب الجملة خلفها، عندما تلاحظ صعوبة في نطق جملة معينة تعيدها غير مرة حتى يتقنها طلبتها، حينما انتهت من القصة وزعت عليهم أسئلة قصيرة حولها، انبرى الطلاب لحلها، من يواجه صعوبة يطلب مساعدة المعلمة أو زميلتها. لاحظت اثناء انهماك بعض التلاميذ في واجبهم كان بعضهم الآخر يذهب ليأكل بعض الفاكهة المتوافرة في زاوية قصية في الفصل، أو يشرب العصير أو الماء الموجود في زاوية أخرى، وشاهدت آخرين يذهبون إلى دورة المياه ويعودون بسلاسة وهدوء دون تشتيت انتباه الفصل أو مقاطعة المعلمة أو مساعدتها أثناء عملهما.

يودع الطلبة الحصة ولاحقا المدرسة، بعد أن قاموا بحل جميع واجباتهم الدراسية على مرأى من معلماتهم، يذهب الطلبة إلى منازلهم دون أن يعتريهم شعور بالوجل أو الخوف من الغد، إذا لم يستطيعوا تأدية فروضهم الدراسية، لأنهم قاموا بها فعلا في الفصل، يعودون إلى المدرسة وهم في حماسة شديدة لمصافحة يوم جديد، متحررين من أغلال الأمس.

راق لي جدا أسلوب انتخاب القصة، يُصوت الطفل الصغير للقصة، التي يفضلها، إذا لم تفز يقبل بخيار الأغلبية، يتعلم هذه الثقافة مبكرا، فيصبح أكثر وعيا ومرونة وتصالحا في المستقبل مع العالم المتنوع الذي يموج حوله، والأهم من ذلك يشعر بكيانه وقيمته منذ يفاعته.

أعجبتني الثقة، التي تمنح للطالب الصغير، يأكل متى ما شاء، لا ينتظر حتى تأتي الفسحة أو يغمى عليه ليتناول ما يسد جوعه ويقيم أوده، يذهب إلى دورة المياه متى ما اضطر، لا يقاوم حاجة إنسانية ملحة كما كنا نفعل عندما كنا صغارا، نرفع أيدينا طويلا، ننتظر شفقة المعلم حتى يأذن لنا أو لا يأذن.

ليس صديقي فحسب، الذي يواجه احتجاج ابنته على مدرستها، أغلب صغارنا يساورهم ذات الشعور السلبي تجاه المدرسة، قرأتُ في موقع التدوين المصغر، ”تويتر”، تغريدة، لطفل، ابن أحد الأصدقاء، يقول فيها: ”يا رب تحترق مدرستنا”.

إذا استمرت هذه العلاقة السلبية بين أطفالنا ومدارسهم بهذه الطريقة فلن تحترق مدارسهم، وإنما سيحترق مستقبل أوطاننا وأجيالنا.

عبدالله المغلوث

التعليقات 11 على “«يا رب تحترق مدرستنا»”

  1. رند علق:

    واقع تعيس جدا!!

    موضوع التدريس والمدارس عندنا يبكي

    ولاننسى طبعا المدرسين اللي ما دري على اي اساس يدرسون

    الله يصلح حال مدارسنا

  2. فيصل علق:

    أستاذي الفاضل،

    لا يوجد مرة أزور فيها مدونتك أو أنقر رابطًا كنت قد كتبته ونشرته على حسابك في تويتر إلا وتدهشني برقي أفكارك.

    أشكرك.

  3. فهد الدوسري علق:

    وانا اقرأ المقال سرحت لزمن سابق عندما كنت ادرس في الصف الأول الإبتدائي
    كان لي مثل هذا الشعور البائس لا احب الدراسة وذالك لأسباب كثيرة كان من اهمها اسلوب المدرس الأجنبي كان غامض فكان لايبتسم ابداً لدرجة نعتقد ان هذا المدرس من كوكب اخر ولكن اختلف هذا الأعتقاد حينما نرى المدرس يبتسم للمدير وللمفتشين عليه فقط .

    بيئة الدراسية والعملية مهمة ولكن أين هي؟
    استاذي عبدالله اشكر قلمك الذي لاطالما اسمية القلم السحري الذي دائماً يشدني برغم عدم حبي للقرأة .
    تحياتي

  4. Mkathiri70 علق:

    Sounds great..we wish to have such educational strategy in our schools..why not

  5. عبدالله علق:

    كلامك جميل وفي محله ، أنا الآن في الجامعة وأحمد الله أن مرت سنين عجاف أسميها سنين الدراسة ، أذكر في الإبتدائي كان مدرس القراءة يجعلنا جميعاً ( ٣٠ طالب ) نقرأ قصة واحدة نفسها ثم يرتدي نظارته الشمسية فيغط بالنوم حتى هو لم يتحمل الملل الذي صنعه !؟

    ليتهم يأخذون التعليم بجدية أكبر وليت المعلمون مأهلون ومدربون .
    حيث تفرض عليهم دورات حضورها تزيد مرنبهم مثلاً من دافع التحميس .

  6. بشير علق:

    رائع ما جئتنا به…

  7. مريم علق:

    احس شوي واصيح احنا بلد الملايين والمليارات واللي عندهم اقل منا احسن منا في كل شي

  8. غادية علق:

    هذا مايؤرقني فعلاً لماذا مدارسنا على هذا القدر من غير المسؤولية واللامبالاة ، الكل يشكو من الرئيس إلى المرؤوس
    علينا أن نبحث بجدية عن محور الخلل

  9. دانيه علق:

    فعلاً ..،

  10. محمد ادريس علق:

    مقال جدا رائع
    الله يصلح حال المدارس لدينا

  11. وفاء علق:

    تذكرت ايام الإبتدائي كم كانو قاسيات معلماتنا تسببو لنا عندها بعقد نفسية وخوف اتذكر عندما اقترب من المدرسة اشعر ان قلبي سيتوقف من الخوف رغم انني كنت متفوقه إلا انني كنت امتنع عن الاجابه بسبب الخوف اذكر جيدًا عندما كانت تكتب على جبهة من تخطئ حمارة!! او تمنعها من الخروج في الفسحة!! او تضربها بالمسطرة الحديد الطويلة! غير ضحكات الإستهزاء التي كانت تطلقها في وجه من تخطئ! .بقيت شخصيتي مهزوزة لسنين بنتيجة لأفعالهم معنا إلى ان استطعت ان اتخلص من آثار تعاملهم القاسي…هذا كان قبل 14 سنة والمشكلة ان نفس المعلمات مازلن موجودات ويتعاملن بنفس هذة الأساليب..! سامحهنالله وهداهن..!

أضف تعليقاً