شيماميني ليست أفضل منا

 لا يوجد أحد يفهم ثقافتنا مثل أبنائنا الذين يشاهدون المشاريع تمر أمامهم فاغرين أفواههم، لا حول لهم ولا قوة.

الطالبة اليابانية، إي شيماميني،

الطالبة اليابانية، إي شيماميني،

قرأت الطالبة اليابانية، إي شيماميني، التي تدرس التصميم في جامعة طوكيو، بالصدفة إعلانا في أحد ممرات كليتها يدعوها للمشاركة في تصميم شعار ألعاب أولمبياد 2020، التي تقدمت طوكيو بطلب استضافتها. التقطت صورة للإعلان من جهازها الجوال وذهبت. بعثت صورة الإعلان إلى صديقاتها المصممات وهي في طريقها إلى المنزل. تمنت لو كانت تستطيع المشاركة، لكن ظروفها لا تسمح لها. أمامها أسبوع واحد فقط لتسليم مشروعها النهائي وهي لم تنته منه بعد، بل تواجه صعوبة كبيرة فيه تجعل من الانتهاء منه في الوقت المحدد وبالشكل، الذي ترجوه ضربا من المستحيل. تعاني شيماميني من مشكلة أخرى تتجسد في أن لديها امتحانا ضمن شروط التقديم على الماجستير بعد أربعة أيام ولم تستعد له إثر انشغالها بمشروعها الجامعي.

إضافة إلى ظرفيها الدراسيين فالموعد النهائي لتسليم شعار الأولمبياد لم يتبق عليه سوى أسبوع واحد، مما يجعل مجرد التفكير في الأمر شيئا من الجنون.

لكن فور أن وضعت رأسها على الوسادة صرخ صوت في أعماقها قائلا: ”تستطيعين أن تصممي الشعار. لديكِ الوقت. جربي”. استجابت شيماميني إلى نداء قلبها. نهضت من فراشها. تصفحت الإعلان عبر شاشة جوالها. قرأت الشروط جيدا. ثم ذهبت إلى جهازها على الطاولة. رسمت بواسطة برنامج للتصميم إكليل زهور يرتدي ألوان شعار الأولمبياد الرئيسة الخمسة. كتبت أسفله طوكيو 2020. أرسلته إلى صديقاتها المستيقظات للحصول على تعليقاتهن حوله. أجبن عليها بسرعة:”عظيم. رائع. مذهل”. قبل أن تكمل قراءة بقية انطباعاتهن أرسلته إلى عنوان البريد الإلكتروني الموجود في الإعلان حسب المقاسات المطلوبة، ثم نامت.

TOKYO2020

شعار الأولمبياد الذي صممته شيماميني

نجحت شيماميني في تصميم العمل على وجه السرعة كون الفكرة كانت نائمة في رأسها وأيقظها الإعلان فقط. فهي مغرمة بإكليل الزهور؛ لأنه يرمز إلى فكرة (العودة مرة أخرى)، ورأت أن الإكليل رسالة مباشرة وجميلة للعالم أن اليابان، التي استضافت أولمبياد 1964 تتوق إلى استضافة أولمبياد 2020. وتؤمن أن هذا الشعار حتى لو لم يتم اختياره قد ترجم إحساسها تجاه الإكليل، وهذا يمنحها رضا داخليا. وكانت سعادتها الأكبر أنها صممت العمل فعلا وأرسلته ولم تذعن للظروف التي كانت تحول بينها والمشاركة.

بعد عدة أسابيع وأثناء انتظارها للحافلة التي تقلها إلى منزلها انهالت عليها رسائل من أصدقائها تحمل صيغة واحدة: ”مبروك. فزت يا شيماميني”. فزت. فزت بماذا. سؤال رددته على نفسها وهي تتلقى سيلا من التهاني. كانت تظن أنها فازت بجهاز (آي باد) أو آلة صنع قهوة أو حذاء كونها اشتركت في عدة مسابقات جامعية. لم يخطر في بالها أبدا موضوع شعار الأولمبياد. ففوزها المعنوي فيه كان بمجرد إرساله إلى لجنة المسابقة. لكنها سرعان ما اكتشفت أن شعارها الذي صممته لأولمبياد طوكيو قد فاز وحصلت على أثره على تقدير مالي وشعبي كبيرين.

تضاعفت سعادتها عندما أصبح شعارها من مجرد شعار ملف مدينة مرشحة لاستضافة الأولمبياد، إلى شعار نهائي لأولمبياد 2020 بعد الإعلان رسميا في الأرجنتين عن فوز طوكيو باستضافة الأولمبياد.

إذن دخلت شيماميني التاريخ. شعارها سيتصفحه الجميع قبل وأثناء التظاهرة العالمية بكثافة. إن تداعيات هذا الشعار تحمل عدة رسائل مهمة ودلالات بليغة.

لقد نالت شيماميني أهم تكريم يحلم به أي مصمم إثر تصميمها شعار الأولمبياد رغم أنها لم تكن تنوي تصميمه بذريعة الوقت. فهل أدركنا أننا نحرم انفسنا من انتصارات عظيمة لأننا نعتقد أننا لا نملك الوقت الكافي؟ ينبغي أن نعيد حساباتنا في رفض بعض الفرص.

الرسالة الأهم هي التي بعثتها اللجنة الأولمبية اليابانية إلى المسؤولين في الدول العربية وذلك عندما أتاحت الفرصة لأبنائها وبناتها لتصميم شعار أحد أهم المشاريع العالمية.

لو كانت المدينة التي تعتزم تقديم ملفها للترشح لاستضافة الأولمبياد عربية أكاد أجزم أن القائمين على المدينة والدولة سيوكلون المهمة لشركة أجنبية؛ لتنفيذ هذا الشعار وغيره، والتجارب السابقة أكبر مثال. ليس لدينا ثقة بأبنائنا وشبابنا على وجه التحديد إلا ما رحم الله، وليت النتيجة إيجابية. هناك الكثير من الشعارات والهويات والمشاريع التي ابتلعت الملايين لكن نتيجتها النهائية مؤسفة ومخيبة للآمال.

لا يوجد أحد يفهم ثقافتنا مثل أبنائنا الذين يشاهدون المشاريع تمر أمامهم فاغرين أفواههم، لا حول لهم ولا قوة.

هناك حقيقة ثابتة.. المبدع ليست له جنسية محددة وعيون زرقاء وشعر أشقر. إنه يتوافر في كل مكان، لكن يحتاج إلى من يفتح له الباب ولا يوصده أمامه.

لدينا أفضل من شيماميني، لكن من يمنحهم الفرصة؟

عبدالله المغلوث

التعليقات 5 على “شيماميني ليست أفضل منا”

  1. Dr amna علق:

    مااروع النجاح حين يولد رغم المعوقات

  2. علاء علام علق:

    قصة ملهمة تلذذت بقراءتها بسبب طريقة السرد المريحة كعادتك يا دكتور، والسبب الآخر هو أن مشروع تخرجي كان عن اولمبياد لندن 2012 بحكم تخصصي في ادارة الفعاليات الدولية من بريطانيا، وأعني جيدا ماذا تعني الاولمبياد للدولة المنظمة أو المستضيفة على الصعيد الثقافي قبل أن تكون رياضياً، فضلاً عن العوائد المختلفة التي تعود على البلد المستضيف اقتصاديا وأبعاد أخرى متعددة.

    سلة فواكه لا تنتهي تتحفنا بها دكتور عبدالله..ما ألذها

  3. الأشقر علق:

    المشاريع لم تذهب للشركات الأجنبية بل للوكيل الهامور

  4. بسكويتة علق:

    الشعار جدا جميل

  5. محمد ادريس علق:

    ممبدع دائما في طرحك

أضف تعليقاً