قبّل يد طفلك

  علينا أن نتذكر أن سعادتنا كالطفل، بيدأ بالصراخ قبل أن يهبنا الأفراح. فلا تنسوا أن تقبلوا يده ليقبل يدكم لاحقا

أوردي بين، وهي تطير، قبل مرضها.

أودري بين، وهي تطير، قبل مرضها.

 بدأ شغف، أودري بين، برقص الباليه منذ أن كانت صغيرة. قبل أن تكمل ثلاث سنوات. كانت تمارس الباليه أكثر من النوم. كان رفاق فصلها يذهبون إلى المدرسة مشيا بينما تذهب رقصا. حرصها على قوامها جعلها لا تأكل إلا القليل جدا. عشقها للباليه جعلها لا تذاكر إلا لماما. لم تكن تعرف أودري شيئا آخر سوى الباليه في حياتها.

فازت كثيرا إثر براعتها في الباليه. ظفرت بلقب الفتاة المميزة في أمريكا عام 1975. مثلت بلدها في العديد من المسابقات الرياضية. دربت وصممت رقصات الباليه لمنتخب أمريكا عام 1976. لكن فجأة تدهورت حالتها الصحية إثر سقوطها المتكرر أثناء ممارستها الباليه. تأثرت عظامها كثيرا فلم تعد قادرة على حملها. تحولت تلك الفتاة الرشيقة إلى أخرى بدينة ثقيلة تمشي قليلا وتتوقف.

تحطمت أودري تماما. هجرت كل أصدقائها وأحبتها لأنهم يذكرونها بماضيها الزاخر بالقفز والأضواء. حبست نفسها بين الجدران. تعرضت علاقتها مع زوجها وأطفالها إلى أزمات كادت أن تعصف بحياتها الأسرية. راجعت أطباء نفسيين واستشاريين بحثا عن حلول تنقذها وتنتشلها من براثن الموت.

عثرت على حل خدّر ألامها قليلا وهو العودة إلى الكتابة التي كانت تمارسها. ساعدتها الكتابة على العثور على مساحة تدفن فيها همومها. ألفت كتابا وجد قبولا جيدا. لكن ما زالت تبكي وتنتحب بسبب آلامها وعدم قدرتها على الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية لمشاهدة صديقاتها وفتياتها وهن يتدربن ويبتسمن. عادت أودري إلى اكتئابها الذي ظل يرافقها كظلها ويظهر لها في المرآة حينما تشاهد جسدها يترهل وشحومها تتمدد. نوبات الألم جعلتها تغادر الكتابة والحياة مجددا وتعود إلى عزلتها وحزنها الطويل.

ظلت أودري حبيسة جدران الإحباط حتى واجهتها أزمة جديدة في حياتها. تتجسد هذه المشكلة في رفض طفلتها الذهاب إلى المدرسة. واجهت الأم هذا التحدي بقوة. ابتكرت طريقة جديدة لمساعدتها على مغادرة المنزل وحدها لأول مرة. بسطت يدها وقبلت كفها. قالت لها كلما اشتقت إليّ في المدرسة ابسطي يدك وتذكري قبلتي. قبل أن تنصرف طفلتها طلبت من الأم أن تبسط يدها هي أيضا فقبلتها. وقالت لها: ”حتى تتذكريني أنتِ أيضا”.

نجاح هذه القبلة جعل أودري تؤلف كتابا بعنوان: ”تقبيل يد”. احتوى الكتاب على اقتراحات ورسومات وملصقات، لمساعدة الآباء والمعلمين على تجاوز تحديات اليوم الأول للأطفال في المدرسة.

غلاف كتابها The Kissing Hand

غلاف كتابها The Kissing Hand

صدر الكتاب عام 1993. وحقق أرقاما قياسية في المبيعات. وما زال حتى اليوم يحقق نجاحات هائلة. أصبح الكتاب نقطة تحول في حياة أودري. منحها السلام الداخلي، الذي افتقدته بسبب انصرافها قسرا عن الباليه. جعلها قادرة على المشي في أحلامها بعد أن تعثرت في واقعها.

وهبتها معاناتها مع طفلتها في يومها الأول في المدرسة فكرة كتاب متألقة لن تشيخ أو تهرم أو تتعب مع مرور الزمن بل تلمع. ستظل سطورها تنتقل برشاقة راقصة باليه من رأس إلى آخر. وسيتذكر الجمهور اسمها طويلا. سيشكرونها ويزفون كلماتها. وسيلتفون حولها في أي مكان عام ترتاده كنجمة مهما امتلأ جبينها بالتجاعيد ورأسها بالشيب فالحروف لا تذبل كالسيقان.

استطاع الكتاب أن يجعل أودري، ترقص ولو فرحا

استطاع الكتاب أن يجعل أودري، ترقص ولو فرحا

ثمة حقيقة نغفلها دائما تكمن في أن الأعمال العظيمة تخرج من رحم المعاناة، وأن الله قد يرزقنا خيرا وفيرا من أبواب لم نطرقها أو نفكر فيها بعد أن خذلتنا أخرى ظللنا أمامها ملحّين ومنتظرين.

إن قوله سبحانه وتعالى: ”وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ”، مبدأ عظيم يحتاج إلى تفكرنا وتدبرنا.

علينا أن نتذكر أن سعادتنا كالطفل يبدأ بالصراخ قبل أن يهبنا الأفراح. فلا تنسوا أن تقبلوا يده ليقبل يدكم لاحقا.

عبدالله المغلوث

تعليق واحد على “قبّل يد طفلك”

  1. Dr amna علق:

    مااروعك ياربي من تجعل من الضيق مخرجا أحسنت على هذا المقال

أضف تعليقاً