هل تذكرين؟

في الغرب يجعلون التلاميذ يلمسون الأمثلة ويتذوقونها

في الغرب يجعلون التلاميذ يلمسون الأمثلة ويتذوقونها

للأسف لا نمنح الطفل ما يستحقه. لم نكتب له ومعه. لم نستمتع معه ونستمع إليه. فلم يجد ما يستذكره ويتذكره

كتبت معلمة ابنتي سفانة (5 سنوات)، التي تدرس في مانشستر، في دفترها: ”عزيزتي سفانة، هل تذكرين الجزر، الذي زرعناه معاً في فناء المدرسة العام الماضي، إنه هو الذي أكلناه على الغداء اليوم في المدرسة”. تسحرني طريقة التعليم في بريطانيا. من زرع حصد. مثل طالما رددناه صغارا في مدارسنا. لكن لم نلمسه. في الغرب يجعلون التلاميذ يلمسون الأمثلة ويتذوقونها ويلتهمونها فترسخ في ذاكرتهم.

هذه الرسالة القصيرة تعكس الفرق بين العقليتين. عقليتنا وعقليتهم في تنشئة الأطفال. من الجميل أن ترتبط النظريات والأمثلة والسلوكيات التي يدرسها الأطفال في المدارس بتجارب عملية؛ لتثري مخيلتهم وتلهمهم. فحينما يشاهدون هذه البذرة الصغيرة، التي زرعوها معا تنمو وترتفع ستمدهم بثقة بأنفسهم وبتعليمهم.

لا أتذكر طوال سنوات عديدة صرفتها في المدرسة أنني حضرت تجربة عملية واحدة. الكثير من الحشو والكلام.. القليل من العمل والممارسة، بينما الحياة تتطلب الاثنين معا.

يحتاج أطفالنا إلى ضوء ماثل أمامهم ينير دربهم ويشعل حماستهم يتجسد بالتجارب العملية والأفكار غير النمطية. وهذا لن يحدث إلا إذا تخلينا عن برامجنا التقليدية وتواصلنا مع الطفل دون حواجز وألقاب وسطوة تحول بيننا وبينهم.

استهلت معلمة ابنتي الصغيرة رسالتها بعزيزتي، ولم تناديها بابنتي الطالبة أو نحوه. تعاطت معها على أنها صديقة. والأصدقاء لا مسافات أو حدود أو عقبات تحول بينهم. يتحدثون مع بعضهم بلا خجل ولا حسابات ولا ريبة أو توجس. يتدفقون كبحر لا يغفو.

في كل مرة أحضر اجتماع الآباء مع المعلمين اكتشف في ابنتي شيئا جديدا لم أعرفه من قبل. أسمع عن هوايات تمتلكها، وقصصا تهواها، وألعابا تفضلها من أفواه معلماتها.

عثرت على السر عندما سمعت إحدى معلمات ابنتي تتحدث معها. كانا يتحدثان كندين. تتعامل معها على أنها ثلاثينية. لا تغير لهجتها أو صوتها معها أو تناديها بماما أو بابا. الصوت نفسه واللهجة ولغة الجسد التي تستخدمها معي تستخدمها مع ابنتي. هذه الطريقة تمنح الطفل ثقة في نفسه تنعكس على شخصيته وعلاقته مع الطرف الآخر. إنه ليس سلوك معلمات ومعلمين فحسب، وإنما سلوك مجتمع جعل الطفل ينطلق سريعا ولا ينتظر طويلا حتى تتاح له الفرصة.

من أبرز مشاكلنا سقف توقعاتنا المنخفض للطفل. في حين أن الطفل لديه إمكانات عظيمة لا يمتلكها الكبار. الطفل بوسعه أن يتعلم أربع لغات قبل أن يكمل السادسة ويجيد العديد من المهارات مبكرا، وكما قيل في الأثر: العلم في الصغر كالنقش في الحجر. لكننا للأسف لا نمنح الطفل ما يستحقه. لم نكتب له ومعه. لم نستمتع معه ونستمع إليه. فلم يجد ما يستذكره ويتذكره.

عبدالله المغلوث.

أضف تعليقاً