الأول

هاري سيلفريدج

هاري سيلفريدج

كل واحد منا لديه ما يحب ويفضل. لكن النزر اليسير استطاع أن يوظف ما يحب ويستثمره، ويحوله من فكرة في مخيلته إلى بذرة في حقل واقعه

إذا كان ستيف جوبز قد أحال صناعة التقنية إلى فن فإن هاري سيلفريدج حوّل التسوق النسائي إلى نزهة، وغير معالمها تماما، وجعلها أكثر إثارة وتشويقا.

ولد هاري سيلفريدج في 11 يناير 1856 في ولاية ويسكونسون، لأب يملك متجرا صغيرا، وأم معلمة. توفي والده وهو صغير، قبل أن يكمل الثامنة. مات شقيقاه الأكبر منه والأصغر منه بعد فترة وجيزة من رحيل والدهما.

خسرت أمه طفليها وزوجها في فترات متقاربة، ولم يتبق لها في حياتها سوى هاري. كانت أمام خيارين: إما أن تبدد عمرها كمدا أو في تربية ابنها الوحيد. اختارت هاري، وحرصت على أن يكون تعبيره عبيرا، فما سيتفوه به سيلتصق في ذاكرة الناس. انكبت على تدريبه على نطق الكلمات الأولى، التي يستهل بها حواره مع الآخرين. تسأله دائما أن يصافح بحرارة ويبتسم بشفتيه وعينيه. كرست وقتا طويلا لتعليمه الرياضيات. وهي تدرك أن الأرقام لغة أخاذة تفتن من يسمعها. تعلم هاري أساسيات الحساب وقرأ الكثير من الشعر، وامتلك مزيجا ساحرا. رافق أمه صغيرا أثناء تسوقها فاكتسب منها مهارة قطف الملابس التي تفضلها المرأة. سحر والدته بذائقته وحسه في انتقاء الملابس خلال جولاتهما التسوقية. اقترحت عليه أن يعمل في متجر صغير؛ ليجرب ما تعلمه ويكسب مالا وخبرة. لبى نداءها، وعمل محاسبا قبل أن يكمل 14 عاما ثم مسؤولا عن المتجر عندما بلغ 19 عاما. خلط الأرقام بالقصائد فأنجب عطرا يفوح من لسانه سرق ألباب زبائنه ورؤسائه.

صار خلال فترة قياسية شريكا في متجر فيلد الذي كان يعمل فيه. رحلاته المتكررة إلى أوروبا جعلته يراها ملاذا لأحلامه. حاول أن يقنع شريكه للانتقال إلى لندن لكنه شكك في جدوى المشروع الجديد.

سافر سيلفريدج مع أمه إلى إنجلترا 1909. اختار أفضل معماري في لندن، وقتئذ، ليصمم متجره (سيلفريدجز)، الذي يقع على شارع أكسفورد. نقل القصائد التي يحفظها إلى جدران المتجر. ملأ الجدران بأبيات وفراشات. دلل المرأة، واستقبلها بعطر فور أن تدخل متجره. كان يردد على موظفيه: ” الزبون دائما على حق” حتى أصبحت عبارة يتبناها كل رب عمل خاص. عين موظفين خاصين يعتنون بجاكيتات الزبائن ومشاعرهن، ويحتفظون بمعاطفهن ويراعون عواطفهن. يسألونهن فور دخولهن ماذا يشربن ومما يشتكين؛ لتخلع الزبونة همومها وسترتها قبل أن تتنزه في متجره. كان أول من خصص مقاه ومطاعم في متجره؛ حتى تمتد الرحلة وتتحول إلى ليلة لا تنسى. ويعد أول من باع أحمر الشفاه على النساء في لندن، وأول من وزع هدايا تذكارية على زبائنه. كان الأول دائما. لا يأتي بشيء مكرور.

كيس سيلفريدجز الأصفر الشهير

كيس سيلفريدجز الأصفر الشهير

ظل اسم سيلفريدجز لامعا وشامخا حتى اليوم؛ لأنه ترجم ما يحب إلى مشروع، ضخ فيه كل ما يكتنز من أفكار وما يدخر من أسرار.

كل واحد منا لديه ما يحب ويفضل. لكن النزر اليسير استطاع أن يوظف ما يحب ويستثمره، ويحوله من فكرة في مخيلته إلى بذرة في حقل واقعه.

أحيانا أفكار صغيرة بوسعها أن تحقق نجاحات كبيرة. ثمة نجاح نمتلكه. لكننا نهدره في التذمر. لمَ لا نشرع في بلورة أفكارنا وننتقم مما يضايقنا عبر البدء في تنفيذ عمل نسكب في أعماقه تطلعاتنا؟ سيكون ساحرا ومثيرا. السيد سيلفريدج ليس أفضل منا.

عبدالله المغلوث.

أضف تعليقاً