أين الباقي؟

لافتة تشير إلى عمل الدوائر التلفزيونية المغلقة

لا أراهن كثيرا على أخلاق أحد. فلا يوجد شعب أفضل من آخر. لكن توجد أنظمة وآليات فاعلة تمنحك الطمأنينة وحقك مهما كان صغيرا

استقللتُ بعد هبوطي في مطار مانشستر في بريطانيا قبل أيام سيارة أجرة يقودها رجل إنجليزي كبير في السن تبدو عليه علامات الوقار والاحترام. كان يرتدي ملابس أنيقة وعطره ذو رائحة زكية ونظارة طبية بعدستين سميكتين. ظل صامتا طوال الرحلة يستمع إلى إذاعة ”بي بي سي” باهتمام شديد. يصغي إلى حوار حول رئيسة وزراء بريطانيا الراحلة، مارجريت تاتشر. لم يقطع إنصاته إلى هذا النقاش سوى وصولنا إلى شقتي. سألته عن قيمة الأجرة فأشار بسبابته نحو ”العداد الإلكتروني”، الذي يظهر عليه 22 جنيها استرلينيا. أعطيته 40 جنيها استرلينيا؛ كوني لا أملك صرفا. انتظرته يعيد إلي الباقي، لكنه لم يفعل. قال: لا أملك صرفا في جيبي وسأجلبه من السيارة. فوجئت وأنا في انتظاره بمغادرته دون أن يعيد إليّ ما تبقى من نقودي. لوَّحت له بيدي بإلحاح، لكنه لم ينظر نحوي. صدمت من تصرفه تماما. لقد عشت في بريطانيا نحو ثلاث سنوات دون أن أتعرض لموقف مشابه أبدا. حملت حقائبي إلى شقتي محاولا تناسي ما حدث، سائلا من المولى أن يعوضني خيرا. وخلال اتجاهي إلى شقتي في العمارة السكنية التي أقطنها رحب بي موظف استقبال المبنى. وسألني عن حالي وحال أسرتي في تحية تقليدية، لكني انتهزت الفرصة لكي أروي له ما حدث لي قبل قليل لعله يخفف عني. بيد أنه لم يخفف عني فحسب، بل وعدني بأن يعيد إليّ نقودي اليوم. سألته: هل أنت جاد.. كيف؟ أجاب: الموضوع بسيط جدا.

الدوائر التلفزيونية المغلقة سي سي تي في، تعمل على مدار الساعة حول وداخل المبنى وبالتأكيد رصدت السيارة التي أقلتك، ومن رقم اللوحة سنستطيع الوصول إلى السائق الذي لم يعد إليك نقودك. ابتسمت له وقلت له: شكرا عزيزي فيليب. أكملت طريقي إلى شقتي وأنا أتحدث مع زوجتي حول ما حدث وهل بوسع فيليب المساعدة حقا. وكانت إجابتنا معا أن المبلغ لا يستحق العناء وأن ما قاله مجرد مجاملة لأحد سكان العمارة الذين يصافحهم يوميا بتبذير في الذهاب والإياب. 

نسينا موضوع السائق تماما بعد وصولنا إلى المنزل إثر انشغالنا بمستلزمات المنزل وتصفح البريد المتراكم وترتيب المواعيد المؤجلة. لكن فيليب لم ينسَ. اتصل عليّ يبشرني بأن الشركة، التي تدير المبنى حصلت على رقم اللوحة واتصلت فعليا بالشركة المشغلة للسيارة التي استقللتها، وأن السائق سيعيد المبلغ إليَ مع نهاية دوام اليوم. بالفعل لم يحل المساء وإلا بموظف الاستقبال المناوب يتصل علي ليخبرني بأن هناك ظرفا في انتظاري في الاستقبال. هبطتُ إلى الأسفل وتسلمت الظرف وفتحته وعانقت نقودي المفقودة.

لا أعرف إذا كان السائق البريطاني كان يحاول سرقتي أم لا، لكن أعرف أن النظام أعاد إلي ما فقدته. أعاد إلي الباقي. لا أراهن كثيرا على أخلاق أحد. فلا يوجد شعب أفضل من آخر. لكن توجد أنظمة وآليات فاعلة تمنحك الطمأنينة وحقك مهما كان صغيرا.

عبدالله المغلوث.

أضف تعليقاً