لسان

جيرجوري بيرلمان

جيرجوري بيرلمان

ستسمو مجتمعاتنا كثيرا عندما تتسامح مع من يختلف معها. عندما تمد يدها إليه، وليس لسانها عليه.

طرحتُ في موقع التدوين القصير، تويتر، نبأ، رفض العالم الروسي، جيرجوري بيرلمان، جائزة بمليون دولار عام 2010 منحها له معهد كلاي الأمريكي للرياضيات مكافأة على حله لغز ”معضلة بوينكير”، الذي استعصى على العلماء طيلة قرن.

ونقلتُ تصريحه الشهير، وقتئذ، الذي قال فيه: ”لست مهتماً بالمال أو الشهرة. لا أريد أن أكون في الواجهة مثل حيوان في حديقة حيوانات يتجمهر الناس حوله”. مؤكداً أنه ”ليس بطل رياضيات”، وأنه ”ليس بذلك النجاح”، ولهذا لا يريد لأي أحد أن يشاهده.

وكان بيرلمان قد استقبل وسائل الإعلام العالمية التي تقاطرت إلى منزله، بفتور، حيث تحدث لهم من وراء الباب، مشيرا إلى أنه لا يريد الجائزة المالية؛ لأن لديه ”كل ما يريده” رغم أنه يعيش منعزلا في شقة تملؤها الحشرات في مدينة سان بطرسبرج.

وفور أن نشرت التغريدة رجم العديد من المغردين الباحث الروسي بأوصاف سلبية ونعوت قدحية كالمريض النفسي والمختل والمعتوه والأهبل والمجنون. وذهب البعض إلى أبعد من ذلك عندما قاموا بالتهكم على هيئته وملابسه ولحيته.

لقد أحزنتني الطريقة التي نعلق بها على مواقف من نختلف معهم. إنها تعكس مشكلة بنيوية في طريقة تعبيرنا عن انطباعاتنا تتجسد في التساهل في رمي النعوت، والإسراف في استخدام الصفات، والتبذير في منح الألقاب دون اختبار وفرز وفحص وتحليل.

يغلب على آرائنا الكثير من العاطفية والانفعال والقليل من التعقل والاتزان. يستحسن أن نتعلم كيف نتريث قبل التعليق على أي موضوع لا نستوعبه كاملا وقبل أن ندلي برأينا في قضية نجهل حيثياتها وتفاصيلها. إن ما نقوم به في ”تويتر” أو برنامج المحادثات، ”واتس أب”، وغيره من الوسائل والوسائط الحديثة في التمجيد لأشخاص والحط من قدر آخرين بهذا الشكل السافر والاستسهال يعكس واقعا مخيبا ويسهم في تسطيح وعينا وإهدار فرص عظيمة للاستكشاف والبحث قد تفتح عقولنا وتنير دوربنا.

أسئلتنا واختلافنا مع من حولنا ربما تمنحنا نافذة للتنزه في حيوات وعوالم لم نرتدها وندلف إليها من قبل. أما الأحكام القطعية السريعة التي يبرع الكثيرون في استخدامها ستجهض أي محاولة للتعرف على جوانب مخبوءة ستملأنا دهشة وحماسا وعطشا للمزيد. إن أسئلة الاختلاف مفاتيح معرفية مهملة في مجتمعاتنا.

لا شك أن خبر رفض عالم جائزة بمليون دولار وما تضمنه النبأ من تفاصيل موضوع لافت ومثير وجدير بالتفكير والتحليل والتقصي. لكنه لا يسمح لأي منا بأي حال من الأحوال أن نحاكم النوايا ونحط من قدر من نختلف معه في الأسلوب والطريقة، ولا سيما أننا لا نملك الحقيقة، وربما تكون دوافعه في ظاهرها غريبة مريبة في حين أن باطنها خير للعلم والمعرفة.

علمتنا الغربة والجامعات الغربية التي درسنا فيها وابتعثنا إليها أن مظهر الأستاذ والباحث لا يعكس قيمته العلمية والبحثية. قد تجده يرتدي أرخص الملابس لكنه يمتلك أغلى المعارف. فتكتشف أن ليس أغلى ما يملك ساعة يده بل وقته الثمين.

ثمة حقيقة علينا أن نستذكرها أن حياتنا عنوانها الاختلاف والتباين يقول ـــ عز وجل ــــ في محكم كتابه: ”ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم”.

لم نتعلم صغارا أن الاختلاف سنة كونية، ولم نتدبر آياته، فأصبحنا عندما نرى من يختلف عنا نعتقد أنه ارتكب جريمة كبرى، بينما أن الجريمة هي أننا ننظر له بهذا الشكل وهذه الطريقة الممنهجة التي تكرس إقصاء وتهميش المختلف.

جان بول سارتر

جان بول سارتر

في يوم العاشر من كانون الأول (ديسمبر) 1964 رفض الفيلسوف والروائي والشاعر الفرنسي، جان بول سارتر، تسلّم جائزة نوبل للأدب، مبديا تحفظا على سياسة التكريم التي تنتهجها الجائزة.

ورفض الرسام البريطاني، لورانس لاوري، لعدة سنوات، ألقابا ملكية وجوائز فنية مرموقة في وطنه، مؤمنا بأنه لا يحتاج إلى تكريم ليثبت جدارته. يقول: ”أهم تكريم حصلت عليه هي هذه الأصابع التي منحني إياها الرب”. لم ينعته العالم بالجنون، وإنما خلد أبناء مدينته مانشستر، ذكراه ببناء فندق، ومتحف، ومجمع تجاري باسمه، امتنانا له وتقديرا لموهبته.

ستسمو مجتمعاتنا كثيرا عندما تتسامح مع من يختلف معها. عندما تمد يدها إليه، وليس لسانها عليه.

عبدالله المغلوث.

تعليق واحد على “لسان”

  1. قارئ علق:

    “عندما تمد يدها إليه، وليس لسانها عليه.”
    روعه في الانتقاء

أضف تعليقاً