كيف نصبح “شطارا”؟

صنع فرانك إبيرسون  أعواد الآيسكريم لأول مرة عام 1905، وفي الصورة يبدو جدا وهو يحمل حفيدته وهي تقدم له  اختراعه الذي رسم السعادة على وجوه الصغار والكبار معا نتيجة خطأ في ليلة شتاء باردة.

صنع فرانك إبيرسون أعواد الآيسكريم لأول مرة عام 1905، وفي الصورة يبدو جدا وهو يحمل حفيدته وهي تقدم له اختراعه الذي رسم السعادة على وجوه الصغار والكبار معا نتيجة خطأ في ليلة شتاء باردة.

الخطأ هو ألا نحاول؛ خشية الوقوع في الخطأ

عندما كنت أدرس اللغة في أميركا كان أحد زملائي الخليجيين لا يتحدث في الفصل أبدا. تسأله المعلمة ويرد عليها بابتسامة. يهرب من أي حوار في الفصل بأي طريقة. تارة يذهب إلى دورة المياه، وتارة أخرى يتظاهر بانشغاله بقراءة كتاب. كنت أشك أنه ينسى لسانه خلف باب الفصل. لكن فوجئت خلال الفصل الدراسي بفيلم قصير عرضته المعلمة، ويسلط الضوء على أنشطة الفصل الماضي، يظهر فيه زميلنا وهو يتحدث بثقة مع زملائه الآسيويين. يتناقش معهم بحبور وسعادة كبيرين. التفتُ بعد الفيلم مباشرة نحو زميلي الجديد وسألته بعفوية: “أين أخفيت كل هذا عني طوال الأيام الماضية؟”. فأجابني وهو يبتسم :”لا أخفيك أنني لا أرتاح أن أتحدث بالإنجليزية وأنت في الفصل. أخشى أن أخطئ وتسخر مني”.

إن هذا الموقف، الذي أستحضره كثيرا، يجسد الخوف الذي يسكننا تجاه ارتكاب الأخطاء. ننسى دائما أن الأخطاء هي سبيلنا الوحيد للنجاح. للأسف لم نتعلم في مدارسنا أن هذه الأخطاء هي التي تنمنحنا الأمل والسعادة. نتعلم فقط أن: “غلطة الشاطر بعشرة”. لكن لم يرشدنا أحد إلى أننا لن نصبح (شطارا) إلا إذا (غلطنا) عشر مرات. فتوماس أديسون، مخترع المصباح الكهربائي، لم يكف عن الاعتراف بأنه تعلم من 99 محاولة غير ناجحة في سبيل اختراع المصباح الكهربائي. هذه الأخطاء التي ارتكبها هي التي وهبتنا كل هذا الضوء. تخيلوا لو لم يخطئ أديسون هل سنجني هذا النور الذي ننعم به اليوم؟

لا يوجد نجاح دون أخطاء. لكن مشكلة مجتمعاتنا العربية أنها تنظر إلى الخطأ على أنه عار يجب أن يطمس ويخفى لا أن يُشهر ويُكشف. في المقابل، لا تتردد المجتمعات الغربية في الاعتراف بالأخطاء التي وقعت فيها في سبيل التصحيح وإلهام شعوبها ودفعها إلى المحاولة سعيا لرقي مجتمعاتها وازدهارها. لذلك تجدهم لا يترددون في المحاولة وارتكاب الأخطاء المرة تلو الأخرى مما جعلهم يتزعمون العالم صناعيا وعلميا. يحولون الأخطاء إلى نجاح يستثمرونه في محاضراتهم وحواراتهم وحياتهم ومستقبلهم. لا أنسى المقابلة التي شاهدتها قبل سنوات للعالم الكيميائي الأميركي هاري كوفر، الذي تحدث فيها عن الأخطاء التي وقع فيها أثناء محاولته صناعة بندقية من البلاستيك عام 1942. أشار في المقابلة إلى أنه لاحظ خلال عملية التصنيع غير الناجحة وجود مادة لزجة ولاصقة أفرزتها المادة الكيمائية التي كانوا يستخدمونها في عملية التصنيع. اعتقد كوفر أن هذه المادة ربما تكون منتجا تجاريا واعدا. انهمك مع زملائه في تطويرها. وبالفعل نجحوا في ذلك وصنعوا (غراء) عرف باسم (سوبر جلو).

لقد جنى كوفر الملايين بفضل هذا الغراء، الذي خرج من رحم عملية صناعية فاشلة. وساعده أيضا على الحصول على تمويل كبير أسهم في اختراعه نحو 320 منتجا جديدا.

إن الكثير من الأشياء الجميلة التي نتمتع بها في حياتنا اليوم ثمرة لأخطاء صغيرة كانت أو كبيرة. فأعواد الآيسكريم التي يقبل عليها أطفال العالم كانت نتيجة خطأ طفيف وقع فيه الطفل فرانك إبيرسون (11 عاما). فلقد ذهب فرانك إلى فراشه عام 1905، في ليلة شتاء باردة في سان فرانسيسكو بأميركا، ناسيا على شرفة المنزل كأسا يحتوي على مسحوق للصودا مع ماء كان يحركهما بعود. استيقظ صباحا وذهب إلى الشرفة وفوجئ بتجمد الصودا مع الماء. استخرج المادة المتجمدة من الكأس بواسطة العود وتذوقها فطاب له مذاقها. أخبر والده عما حدث فاجتاحته سعادة كبيرة تفاقمت بعد أن تذوقه. صنع فرانك في اليوم التالي عشرات منه بمساعدة والده وباعه على أبناء الحي. بعد سنوات انتشر هذا المنتج في أرجاء المدينة والولاية وحصل فرانك على حقوقه التجارية والفكرية. ونال أكثر من 10 ملايين دولار.

الجميل أن (أعواد الآيسكريم) شجعت إبيرسون على افتتاح مصنع صغير لصناعة الأعواد الخشبية. أولوية العمل فيه للمطرودين من أعمالهم بسبب أخطاء عملية. حقق المصنع نجاحا كبيرا أثبت أن هؤلاء العمال استفادوا من تجاربهم السابقة وأن الحياة لا تنتهي بسبب خطأ بل ربما تبدأ معه.

لم يدّع فرانك وكوفر وكبيرهما أديسون أنهم لم يخطئوا، لكنهم يؤمنون أنهم تغلبوا على أخطائهم. لم يتنصلوا من أخطائهم، لكن انتصروا عليها.

إن الأخطاء ليست خطأ، الخطأ هو ألا نحاول؛ خشية الوقوع في الخطأ. إذا كان هناك من يستحق أن يكون خصما لنا فهو الخطأ ولا يوجد أجمل من الفوز عليه.

عبدالله المغلوث.

أضف تعليقاً