حتى لا تلقى مصرعها

كريس ميسنا

كريس ميسنا

اكسروا حاجز الخوف وجربوا، فالتجارب وحدها هي التي تصنع منا ومن أعمالنا شيئا مثيرا للاهتمام.

تعرفتُ قبل نحو سبع سنوات على مبرمج جميل، يملك أفكارا مبهرة. يحدثني في كل مرة عن مشروع جديد يعكف عليه، لكن مشكلته الكبيرة أن جل مشاريعة لا ترى النور، ويرى دائما أن هناك شيئا ناقصا يجعله يصرف النظر عن الفكرة، التي يعمل عليها ويبحث عن أخرى. صاحبي مريض بمتلازمة ”المشروع الكامل”، الذي لا يوجد فيه أي قصور أو جوانب ضعف. نصحته أن يدفع ببعض مشاريعه إلى الجمهور وهم من يقيمونها، فلا يوجد مشروع كامل متكامل، بيد أن صاحبي لا يسمع إلا لنفسه.

هناك الملايين ممن هم على شاكلة صديقي، ويملكون الموهبة والقدرة، لكنهم يقسون على أنفسهم بعدم إفشاء مشاريعهم وإطلاقها للعالم، ويحتفظون بها في رؤوسهم حتى تلقى مصرعها في حادث أليم في خيالهم.

إنني مؤمن تماما بأن أي مشروع كالطفل، لا يولد ناضجا، يكبر تدريجيا، ودور رب المشروع هو رعايته والاهتمام به حتى ينمو ويحقق مبتغاه أو جزءا منه.

وأدنّا الكثير من المشاريع الجميلة، لأنها ببساطة لم تتح لها الفرصة للاختبار والتطوير. وظلت قابعة في صدور أربابها حتى اختنقت وماتت، والمبالغة في القلق من عدم نجاح مشاريعنا مرض يستوجب العلاج، لأننا لا يمكن أن نصنف هذا المشروع بأنه ناجح أو خلافه قبل أن يراه الناس ويلمسونه.

لدينا ”تويتر”، موقع التدوين المصغر، مثالٌ حي، وبدأ ”تويتر” في آذار (مارس) 2006، كخدمة للتواصل عبر الرسائل القصيرة (إس إم إس) بين مجموعة صغيرة، لكن كبر مع مرور الوقت، وتغيرت أدواته وملامحه شيئا فشيئا.

صورة ضوئية  لتغريدة  كريس ميسنا التي اقترح فيها استخدام رمز الوسم (الهاشتاق)

صورة ضوئية لتغريدة كريس ميسنا التي اقترح فيها استخدام رمز الوسم (الهاشتاق)

إن أشهر عناصر نجاح ”تويتر” اليوم هو الوسم (الهاشتاق)، ولم يبتكر هذا الوسم موظفو ”تويتر”، إنما أحد مستخدمي ”تويتر”، وهو كريس ميسنا، في 23 آب (أغسطس) 2007، عندما اقترح أن يستخدم الهاشتاق كرمز يسبق اسم ملتقى لمجموعة. استحسن رفاقه الفكرة لأنها ستسهل عليهم البحث عن كل التغريدات التي تعنى بمناسبتهم. استنسخ آخرون الفكرة. نال الوسم شعبية كبيرة إلا أن القائمين على ”تويتر” ظلوا مقاومين له، غير مقتنعين بجدواه. لكنهم رضخوا في النهاية لهذا الاتجاه في تموز (يوليو) 2009 بعد تعاظم استخدامه، من خلال تفعيل الهايبر لينك (الارتباط التشعبي)، الذي يتيح للمستخدم بضغطة زر الوصول إلى كل التغريدات التي تخللتها العبارة المقطورة برمز الهاشتاق #.

لقد أصبح الوسم علامة فارقة في ”تويتر”، لا أعتقد أن أحدا يتخيل هذا الموقع بلا هذا الوسم الذي أكسبه ميزة كبيرة حتى يخيل للبعض بأن ”تويتر” انطلق بهذه الخاصية غير مدركين أن قياديي ”تويتر” قد قاوموه في البداية قبل أن يصبح رمزا وأيقونة أسهمت في انتشار الموقع وشعبيته الهائلة.

إن أي مشروع ضخم اليوم، لم يكن كذلك أمس، إنه نتيجة من العمل والتدرج الذي جعل منه بهذه الصورة والصيغة التي نشهدها ونشاهدها اليوم.

لذلك علينا أن نفخر بأفكارنا ومشاريعنا، ونطلق سراحها وندعها تكبر، ونتيح الفرصة للآخرين للاطلاع عليها ومساعدتنا على بنائها حتى تصبح مصدر فخرنا. لا يمكن للاعب أن يحرز كأس العالم في أول مباراة يلعبها، لكن عليه أن يظهر في أول مباراة يلعبها أو في بداياته أن لديه شيئا واعدا يجعله جديرا بنيل شرف اللعب مع الكبار وتحقيق نتائج مشرقة.

اكسروا حاجز الخوف وجربوا، فالتجارب وحدها هي التي تصنع منا ومن أعمالنا شيئا مثيرا للاهتمام. وتذكروا أن هذه الأشجار العملاقة كانت مجرد بذور صغيرة ندوسها، لكن عندما سقيناها ورويناها ارتفعت عاليا وأثمرت.

عبدالله المغلوث.

التعليقات 4 على “حتى لا تلقى مصرعها”

  1. abeer علق:

    موضوع جميل جدا

  2. منى علق:

    للاسف فأنا من الكثير التي لاتملك الثقة في اتمام افكارها لمشاريع متنوعة
    وارى ان بعضها فقدت الحماس فيه مطلقا وبعضها تحتضر وبعضها تبدلت
    قد يكون السبب ان اراتي لم تكن كافية كماافتقد البيئة الداعمة
    والمحفزة كما أن بيئة العمل إما ان تسرق فكرتك او انها تهمل
    وهذا بحدذاته يكفي لعدم انطلاقة المشروع
    ارى اننا بحاجة لحاضنات الافكار او الموجهين او المطورين
    وددت بصندوق اقتراحات في كل مكان

  3. دانية علق:

    بصراحه انا من الناس الي زي صديقك ، احياناً يكون عندي افكار بس احسها ناقصه او ما تنفع
    لكن إن شاء الله راح احاول اقنع نفسي و اطلعها

    و شكراً أستاذ عبدالله ❤

  4. بسكويتة علق:

    فيه كثير من كذا ، اختصاصهم أفكار أفكار وبس ، يعني القدرة على التخيل من دون التنفيذ

أضف تعليقاً