جرس استيقاظ

برونو كوستا

برونو كوستا

من الصعب أن نحقق أي قدر من النجاح في أي عمل إذا كنا نفتقر إلى الحماسة تجاهه.

أسس المهاجران الإيطاليان برونو وشقيقه سيرجيو كوستا، العاطلان عن العمل، وقتئذ، مقهى كوستا في لندن عام 1971 إثر عدم استطاعتهما الحصول على كوب قهوة على الطراز الإيطالي بسعر مناسب في شوارع العاصمة البريطانية.

كان برونو وسيرجيو يتقاضان معونة اجتماعية شهرية للعاطلين من الحكومة البريطانية ويريان أن دفعهما مبلغا كبيرا في كوب قهوة سيودي بحياة راتبهما في غضون أيام قليلة. واتفقا أن يفتتحا مقهى صغيرا يوفر لهما ولأصدقائهما قهوتهما المفضلة بسعر في متناول أصحاب ذوي الدخل المحدود. كان الأمر في غاية الصعوبة، فكيف سيجلبان التمويل لشراء الأدوات؟ وكيف سيسددان إيجار المحل؟ ومن سيعلمهما أصول صناعة القهوة الإيطالية؟ كتبا إعلانا في صحيفة بريطانية: “نحن مهاجران إيطاليان عاطلان عن العمل. نعمل على افتتاح مقهى صغير لكن خبرتنا في إعداد القهوة بسيطة، ولا نملك تمويلا، نريد مساعدتكم”، تلقيا أربعة اتصالات تعرض عليهما المساعدة. أهمها من مهاجر إيطالي طاعن في السن عرض عليهما أن يسدد عنهما الإيجار لعامين مقدما ويتكفل بإرسالهما وإقامتهما في إيطاليا لمدة شهر للعمل على إتقان صناعة القهوة شريطة أن يلتزما بتقديم القهوة بتكلفة منخفضة، وأن يعيدا إليه ما دفعه متى ما حقق المقهى أرباحا. سافرا إلى ميلانو وتعلما ما تيسر على أيدي متخصصين، وعادا إلى لندن، وشرعا في الترتيبات لافتتاح المقهى الصغير جدا بمساعدة أصدقائهما الذين أقرضوهما حتى يبصر المقهى النور.

تردد على المقهى الزبائن من أصول إيطالية ليس طمعا في قهوة متميزة، بل تعاطفا ومساعدة لهما. وكبر المقهى قليلا إثر حرص الجالية الإيطالية على تناول القهوة في المقهى تشجيعا لهما.

يقول سيرجيو: “لم نكن نبيع أفضل قهوة، لكن الناس تفضل القهوة من إيطاليين، كما تهوى تناول البيتزا من إيطاليين أيضا”.

إقبال الزبائن المطرد دفع كوستا إخوان للتعاقد مع متخصصين لإضافة نكهات جديدة لقائمة المقهى. بدأ المقهى في النجاح والتوسع داخل بريطانيا. العاطلان أصبحا ثريين في غضون نحو عقدين.

في عام 1995 باع برونو وشقيقه سيرجيو أسهمهما في كوستا. فضلا ترك المقهى الذي يحمل اسم عائلتهما. ويؤمن سيرجيو أنه وشقيقه قاما بكل ما يستطيعان في سبيل المقهى ولا يملكان أكثر من ذلك. يقول: “بدأت الرتابة تتسلل إليّ كلما اتجهت إلى مكتبي في كوستا. أكره الوجود في مكان لن أضيف فيه جديدا. بعته بثمن بخس واشتريت راحتي”. ولم يعد كوستا يذهب إلى كوستا لشراء قهوة؛ فهو يصنعها في منزله بتكلفة أقل. كما أنه يقضي ساعات طويلة في قراءة الكتب التي اشتراها منذ سنوات، ونسي قراءتها بسبب زحمة العمل.

لم يندم سيرجيو على بيع حصته في كوستا بعد تحولها إلى علامة تجارية عالمية. يقول: “ربما لو ظللت فيها لهوت وتراجعت، لن تنجح أي مؤسسة يقودها شخص يفتقر إلى الحماسة”.

الكلام الذي قاله سيرجيو ينطبق على كل شيء في هذه الحياة. من الصعب أن نحقق أي قدر من النجاح في أي عمل إذا كنا نفتقر إلى الحماسة تجاهه. الإحساس بالضجر والملل من طبيعة الأعمال الروتينية التي نؤديها يعد جرس استيقاظ كي نفكر في خيارات بديلة أو طريقة جديدة نعمل بها. أعتقد من أهم أسباب انحدار الكثير من المؤسسات الحكومية والخاصة في دولنا العربية يعود إلى بقاء القياديين في مكان واحد لسنوات طويلة رغم إصابتهم بالتبلد وتوقف حماسهم إزاء عملهم. والأمر ينسحب كذلك على الموظفين ما صغر منهم وما كبر الذين أقلعوا عن الطموح في مواقعهم لأسباب متفاوتة. أرى أن إصابتنا بالممل تجاه ما نقوم به يعتبر جرسا، علينا أن نفكر جديا بتلبية ندائه عبر الانتقال إلى موقع وبيئة جديدة فلعله خير لنا وللمؤسسة التي نرتبط بها. ما يميز الكثير من الشعوب الغربية هو استعدادها للتخلي عن وظائفها والانتقال إلى أخرى بسلالة جعلتهم يشعرون بالحماسة والإثارة باستمرار. جرب أن تتناول وجبة يومية بالمقادير والصيغة نفسها. قطعا، ستسأم وتنفر منها.

عبدالله المغلوث.

أضف تعليقاً