أمي تعثر على ابنتها بعد 40 سنة!

من الرسائل التي تبادلتها مع ابنة صديقة أمي

من الرسائل التي تبادلتها مع ابنة صديقة أمي

لم أشاهد أمي سعيدة كما شاهدتها سعيدة بقرب لقائها بصديقتها قوت. سعادة أستطيع أن أتصفحها وألمسها وأستنشقها من وراء البحار.

 

في يوم الجمعة 27 يناير 2012 تلقيتُ رسالة إلكترونية من فتاة عبر مدونتي الشخصية تقول فيها إنها تبحث عن صديقة قديمة لأمها اسمها: الجوهرة المغلوث. وتأمل في رسالتها أن أساعدها في العثور على هذه السيدة، التي أحمل نفس اسمها الأخير. فالجوهرة كانت تعمل مع أمها معلمة في مدرسة حائل الابتدائية الأولى للبنات قبل نحو 40 سنة تقريبا. وانقطعت سبل الاتصال بها منذ أن انتقلت إلى خارج حائل. ولم تكن الجوهرة مجرد زميلة لوالدتها، وقتئذ، بل أكثر من ذلك حسب رسالة الفتاة، مستشهدة بتسميتها بـ (الجوهرة) تيمنا بصديقتها التي تفتقدها بشدة.

واختتمت رسالتها باعتذار إذا كان إيميلها قد أزعجني أو وصل إلى الشخص الخطأ. فهي منذ سنوات وهي تفتش عن هذه السيدة حسب قولها؛ لترسم ابتسامة على محيا أمها وتلتقي بالسيدة التي تحمل اسمها.

انتابتني سعادة كبيرة فور أن تصفحت الرسالة. سعادة تشبه تلك التي تغمر اللاعبين الذين يحرزون بطولة بعد خيبات كثيرة.

سعادتي تكمن في أن الجوهرة الكبيرة التي تبحث عنها الجوهرة الصغيرة هي أمي. لم أكن بحاجة إلى أن تصل بأمي لأعرف أنها هي المقصودة؛ كوني أدرك أن أمي رافقت جدي إلى حائل قبل أربعة عقود تقريبا عندما انتدب للعمل مديرا لشرطتها، ولأن حائل مازالت رطبة على شفتيها. فهي لا تكف عن الاشتياق إليها سرا وجهرا.

ولقطع الشك باليقين اتصلت على أمي. تلوت على مسامعها رسالة الجوهرة الصغيرة وقبل أن أكمل قالت بصوت مملوء بالفرح: “إنها قطعا ابنة صديقتي، قوت القويعي…ما أصغر الدنيا يا عبدالله…ما أجمل الدنيا يا حبيبي”.

وعندما سألتها عن سبب جزمها بأنها قوت وليست زميلة أخرى. قالت: “أكتب لها: هل أنتِ ابنة قوت القويعي؟ إن قلبي لا يكذب”. وأمي على طرف السماعة كتبت للجوهرة الصغيرة: “واو. الجوهرة التي تبحثين عنها هي أمي. أرجو إبلاغي باسم والدتكم الكريمة حتى أبعث لك جوال والدتي.

أمي تسترجع دائما ذكرياتها الجميلة في حائل وتحديدا مع زميلة قريبة جدا إلى قلبها اسمها قوت”. حرصتُ ألا أكتب اسم قوت الأخير خشية ألا تكون هي.

حرصتُ على أن تكون هناك مسافة للرجوع. لكن الجوهرة الصغيرة لم تدعني أسرح مع خيالي. ردت على الرسالة على جناح السرعة: “إنها أمي” رددتها مرتين، ثم أردفت “أمي اسمها: قوت حمود القويعي. من فرط الفرح أشعر برغبة في البكاء”.

تبادلت مع أمي الأحضان عبر الهاتف. شعرت بابتسامتها كأنها بقربي. سررت كثيرا بما حدث، بكرنفال الفرح الذي يندلع من أعماق والدتي وينتقل إلى صوتها.

أكاد أرى قوت والجوهرة معا بعد 40 سنة. ودعا بعضهما آخر مرة وهما فتاتان غضتان وسيلتقيان قريبا بحوله تعالى وهما جدتان ناضجتان. ما أجمل هذا اللقاء. ما أجمل هذه الأقدار والصدف.

لا شك أن الإنترنت جعل الأقرباء غرباء والغرباء أقرباء، جعلنا نهجر أحبتنا ونهملهم. لكن بوسعه أيضا أن يدخل السرور إلى قلوب أقربائنا وأحبتنا عندما نسخره لخدمتهم كما فعلت الجوهرة الصغيرة.

بإمكاننا أن نبحث عن صديقات أمهاتنا وآبائنا عبر الشبكات الاجتماعية التي اختصرت المسافات وألغت الحدود. بإمكاننا إشعال ابتسامة هائلة في نفوسهم وعلى وجوههم.

من الطبيعي أن يصبح الإنترنت خصما لآبائنا لأنه أبعدنا عنهم رغم قربنا الجغرافي منهم، بيد أنه قد يصبح صديقا لهم متى ما جعلناه وسيلة لإيصالهم بزملائهم وأصدقائهم القدامى الذين شتّتَتْهم الحياة وفرقتهم السنوات.

لم أشاهد أمي سعيدة كما شاهدتها سعيدة بقرب لقائها بصديقتها قوت. سعادة أستطيع أن أتصفحها وألمسها وأستنشقها من وراء البحار. سعادة بوسعكم أن تقطفوا مثلها تماما من وجوه آبائكم لو حاولتم قليلا. بضغطة زر أو اثنتين.

أضف تعليقاً