يتفلسف

تنتشر في بريطانيا مخيمات صيفية تشجع الأطفال على الفلسفة والتفكير النقدي

المجتمعات التي تُعير من يحاول أن يجرب أو يتحدث بحماسة بقولها: ”يتفلسف”، ستجد نفسها تدور في حلقة مفرغة. غيرها يقفز ويعدو وهي تنحسر وتغفو

استوقفني أثناء زيارتي لمجمع تجاري في مانشستر إعلان يدعو الأطفال من سن الـ 10 إلى الـ 16 للدخول في مخيم الأطفال الصيفي للفلسفة. وكتب القائمون على المخيم، في كتيب ترويجي: ”المعلم وسيلة من وسائل الحصول على المعرفة. هناك عشرات الوسائل الأخرى. انضم إلينا لتجرب بعضها وتستطيع أن تناقش معلمك ووالديك بشكل أفضل”.

أحببت جدا هذا النوع من المخيمات، الذي يعمل على إعمال العقل وتطوير مهارات الطلاب الصغار في التفكير النقدي والفرز والتحليل والنقاش والحوار.

نفتقد هذه البرامج التي تكاد تكون معدومة في مجتمعاتنا، بل ربما تكون محظورة. تربينا على أن الفلسفة رجس من عمل الشيطان، وأنها طريق للإلحاد والكفر رغم أنها طريق للمعرفة والإيمان متى ما تم تدريسها وتقديمها بشكل متدرج ومدروس.

ينبغي أن يكون التفكير النقدي جزءا أساسيا من برامج تعليم الأطفال، فالمتابع لمشهد مجتمعاتنا اليوم يشعر بمشكلة كبيرة تكمن في أنها تفتقر إلى التعددية الفكرية وتؤسس للاستقطاب والانحيازات المتطرفة. فمن يمتدح موقفا معينا حُسب على التيار الذي تبنى هذا الموقف، رغم أنه قد يكون في الواقع من أشد المخالفين لمنهجه.

تقوم الفلسفة بتطوير القدرة على عزل الأفكار عن الأشخاص وتنمية الحس النقدي وتعزيز الاستقلالية الفكرية. إن دراسة الفلسفة مبكرا تنمي أدوات الفرز لدى الطفل واختبار الآراء والمسائل وتحث على مراجعة المواقف.

يقول الباحث في الفلسفة لدى الأطفال، كيري ويستانلي: تشجع الفلسفة على إعمال عقل الطفل، ونفخ الروح في أسئلته، وتحديد مواقفه تجاه الأشياء، وتمنحه الشجاعة على الانخراط في النقاشات الجادة”.

إن من يشاهد نقاشاتنا وحواراتنا الفكرية اليوم يؤمن بضرورة وأهمية تدريس الفلسفة في مراحل مبكرة تمنح مجتمعاتنا حوارات أكثر عمقا وأقل شخصنة وتؤسس لمستقبل أكثر إشراقا. يواجه الكثير من طلاب الدراسات العليا العرب صعوبات جمة وتحديات جسيمة أثناء دراستهم في الغرب مقارنة بالغربيين، لأنهم لا يملكون القاعدة المعرفية الفلسفية؛ للإيفاء بمتطلباتهم البحثية.

يرى جان بياجيه، عالم النفس والفيلسوف السويسري، الذي طور نظرية التطور المعرفي لدى الأطفال، الذي يعرف بعلم المعرفة الوراثية، أن الطفل في عمر 11 عاما يصبح قادرا على دراسة مبادئ الفلسفة على نحو تدريجي.

لقد كتب بياجيه مقالته الأولى في عمر 13 عاما بعد أن قرأ الكثير من الكتب والمقالات المحفزة على التفكير النقدي والتحليل. وفي الثانية والعشرين من عمره حصل على الدكتوراه في علم البيولوجيا، وفي عام 1921 عين مديرا للدراسات في معهد جان جاك روسو في جنيف، حيث نشر بعد ذلك كتابين من أشهر كتبه: ”اللغة والفكر عند الطفل” عام 1923، و”الحكم والاستدلال عن الطفل” 1924.

ونبع اهتمامه بهذا الجانب الفلسفي عندما شعر بأهمية اشتغاله بالتحليل والتفكير في سن مبكرة إثر وجوده في محيط وهبه الكتب الفلسفية عن طريق أقاربه والمناخ ليكتشف ويستكشف. فألهمته التنقيب عن الأسرار العلمية التي تشجع الأطفال على تطوير إمكاناتهم الفكرية وفق منهجية علمية.

ليس علماء الغرب وحدهم من اعتنوا بالفلسفة واكتشفوا أهميتها لتنمية مجتمعاتهم، لقد أسهم المفكرون المسلمون الأوائل في نهضة الحضارة الإسلامية عبر دراستهم الفلسفية المخلصة المبكرة.

لقد قدم الفارابي، فيلسوف العرب الأول، دراسات جديدة عبر دمج نظريات على نحو مبتكر وغير مسبوق.

كما أن ابن سينا، الفيلسوف والطبيب المشهور، ألف نحو 200 كتاب، رغم أنه توفي وعمره 57 عاما. لقد ترك إرثا ما زال محل تقدير العلماء ومصدرا للكثير من اختراعاتهم وابتكاراتهم. ومن أوائل كتبه، كتاب ”الشفاء” الذي شرح فيه نظرياته مستعينا بمقولات أرسطو.

ولا ينسى التاريخ ابن خلدون، الذي عرف شرقا وغربا، بأنه مؤسس علم الاجتماع والعمران. طرحه الفلسفي والفكري جعل منه أيقونة خالدة. آمن بأهمية الملاحظة والمقارنة واستخلاص النتائج. عمل على تحليل الكثير من المظاهر الاجتماعية ووضعها في إطار علمي فلسفي أسهم في فهمهما وإدراك أبعادها وحيثياتها واستفاد من تجاربه ملايين العلماء.

إن عودتنا إلى الاهتمام بالفلسفة ستكون أحد أهم معالم عودتنا إلى عصور الإنتاج والريادة. المجتمعات التي تُعير من يحاول أن يجرب أو يتحدث بحماسة بقولها: ”يتفلسف”، ستجد نفسها تدور في حلقة مفرغة. غيرها يقفز ويعدو وهي تنحسر وتغفو.

عبدالله المغلوث.

أضف تعليقاً