معتقلون

نتردد على مطعم مرارا ونطلب الوجبة نفسها دون أن نفكر في تجربة أطباق أخرى قد تكون أكثر لذة.

عاش صديقي فهد قبل نحو عامين أوقاتا عصيبة. طلب منه رئيسه الانتقال إلى منطقة نائية في مهمة عمل لمدة سنة. رفض صديقي العرض متذرعا بارتباطه بعائلته والتزاماته المختلفة في المدينة التي يقطنها. فلديه عائلة مكونة من زوجته وأربعة أطفال. زوجته تعتمد عليه بعد الله كثيرا في إدارة المنزل وقضاء احتياجاته، ناهيك عن ارتباطاته الخاصة الأخرى. حاول رئيسه إقناعه بشتى الطرق بيد أن صديقي رأى أن انتقاله خارج مدينته سيدمر منزله وحياته. لم يجد رئيسه خيارا أمامه سوى أن يطلب منه أن يرد على الطلب برسالة إلكترونية حتى يوثقها محذرا إياه من أن الرفض قد يقلل من حظوظ صعوده الوظيفي كونه لا يتمتع بالمرونة المطلوبة كموظف واعد، فضلا عن عدم تلبية نداء الشركة التي تحتاج إليه في مهمة قصيرة وعاجلة. فكر صديقي طويلا في الموضوع. درسه من جميع الجوانب، فوافق على مضض خشية أن يخسر مستقبله الوظيفي.

نسّق مع شقيق زوجته ليعيش مع أخته خلال فترة غيابه. اتفق مع سائق على نقل أبنائه من وإلى المدرسة يوميا. ذهب إلى المنطقة النائية وهو يحمل في صدره هما ثقيلا. كانت أيامه الأولى في مهمة عمله الجديدة ممضة وشائكة بطيئة ومملة. اضطر بعد أسابيع إلى التأقلم مع الوضع الجديد. اكتسب زملاء وأصدقاء جددا. والأهم أنه تعلم أشياء جديدة تقنيا لم يكن يحسنها ويجيدها قبل قبول العرض. قام زميل له بتعليمه دروسا مبدئية في التصميم الجرافيكي، وتصميم شرائح العرض، وإنشاء المواقع الإلكترونية. حقق فهد حلما كان يراوده منذ زمن يتمثل في الإلمام بأساسيات التصميم عن طريق برنامج ”الفوتوشوب”، لكن كانت ظروفه الأسرية تحول دون ذلك. تحقق اليوم حلم فهد وأنشأ موقعا خاص يضع فيه مواضيعه الهندسية المدعمة بصور صممها شخصيا. شعر بسعادة لم يشعر بها من قبل.

على صعيد عائلته. كان يزورها كل شهرين مرة. أصبح يشتاق إليهم أكثر. يفاجئهم بالهدايا، ويفاجئونه بوجبة مفضلة يعدونها له، أو رسالة يشتركون في كتابتها إليه. اكتشف أن زوجته صارت أكثر قدرة على إدارة المنزل وحدها. وأطفاله أكثر استقلالية. فلا يوجد من يلبي طلباتهم على جناح السرعة. من يريد شيئا عليه أن ينتظر وينسق مع خاله. تعلموا الانتظار والتنظيم. لم يكن المشهد مثاليا تماما. لكنه أفضل من حياته السابقة.

انتهت مهمة عمله بنجاح وعاد إلى أسرته ووظيفته. حصل على ترقية مباشرة في عمله، وظفر بعائلة أقل اتكالية وأكثر ثقة.

نعتقد دائما أن خياراتنا الحالية الأفضل غير مدركين أن هناك مساحات أكثر سحرا ودهشة في هذا العالم المليء بالخيارات. نتردد على مطعم مرارا ونطلب الوجبة نفسها دون أن نفكر في تجربة أطباق أخرى قد تكون أكثر لذة. نحبس أنفسنا في وظيفة دون أن نفكر في غيرها. ننزع إلى الأسهل، متناسين أننا ندفن أحلامنا بأيدينا. إننا نسجن أنفسنا وذواتنا في سجون شيدناها في رؤوسنا. هذه المعتقلات حرمتنا من استكشاف عوالم أجمل.

إن الفرق بين الأحرار والسجناء، هي الخيارات، فلمَ نعتقلها ونكبلها بأصفاد من صنع خيالاتنا.

عبدالله المغلوث.

التعليقات 2 على “معتقلون”

  1. دانية علق:

    المقال شرح لمعنى قوله تعالىٰ
    {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]}.

  2. Vicki علق:

    Thanks for shrgani. What a pleasure to read!

أضف تعليقاً