عندما تسمع الجوارب

إن الجروح لها ذاكرة لا تصدأ ولا تنسى.

اكتشف الكوري لي سو عام 1972 أن ابنه ريو البالغ أربع سنوات أصم. عرض عليه الأطباء أن يُدخله مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة، لكنه رفض. طلب أن يُدخل ابنه مع أترابه مدرسة عامة حتى لا يُحسّ ابنه بأي شعور بالنقص. دخل ابنه المدرسة العامة، بيد أنه شعر بالنقص فعلا. فهو لا يسمع، يشاهد فقط ما يكتبه معلّموه على السبورة وأحيانا يقرأ شفاههم. رفاقه في الفصل كانوا يملكون أصدقاء بينما هو يملك سؤالا يرافقه أينما حل وارتحل. هذا السؤال هو: “عذرا لم أسمعك .. هل يمكنك أن تعيد ما قلت؟”. ظل ريو فقيرا من الأصدقاء. حاول معلّموه مساعدته على التواصل مع من حوله لكن لم تكتب لمحاولاتهم النجاح. حتى في منزله كان ريو منعزلا، يهرب من والديه عندما يشرعان في النقاش. يذهب إلى المطبخ لغسل الصحون أو يتظاهر بأنه يكنس غرفة المعيشة. عمل الأب على إخراج ابنه من هذه العزلة والحياة المظلمة.

راسل مستشفيات متخصصة عدة في الغرب والشرق أملا في مساعدة ابنه على السمع. عثر على مستشفى متخصص في اليابان لديه تجارب ناجحة مع ظروف أطفال كابنه. يمم وجهه شطره. خضع ريو لفحوص أولية أظهرت أنه قد يملك القدرة على السمع بمساعدة أجهزة متطورة يضعها في أذنيه. بعد شهور عدة من التجارب والمحاولات استطاع هذا الطفل السماع على نحو مقبول. أصبح على الأقل بإمكانه سماع الأصوات القريبة منه. عاد ريو إلى المدرسة بكل حماس. أخبر معلمه هوانج بنبأ أنه صار قادرا على السمع. فرح المعلم كثيرا. طلب منه ألا يخبر أحدا حتى يعلن الخبر في حفل خاص ستقيمه المدرسة بعد شهر من الآن. توسل ريو معلمه أن يخبر رفاق الفصل بالخبر اليوم فهو يود أن يعرف الجميع أنه بات بمقدوره أن يسمع ويتحاور معهم بسهولة. لكن المعلم أصر أن يرجئ إعلان الخبر حتى الشهر المقبل كون الموضوع مهما ويستحق أن يعلنه في احتفال – على حد تعبيره. خبأ ريو النبأ في صدره كما يخبئ الجهازين الصغيرين في أذنيه واستمر في الحضور إلى المدرسة كأنه ذلك الطالب الأصم الذي لا يسمع شيئا. فوجئ ريو عندما ذهب إلى صالة طعام المدرسة لأول مرة، بعد أن أصبح يسمع، بسخرية رفاقه عليه وهم يتناولون الأكل. كانوا يتهكمون على جسده البدين وشفاهه الغليظة وقامته القصيرة. وعندما التفت نحوهم بغضب تساءل أحد رفاقه بصوت عالٍ: أخشى أنه يسمعنا. فرد عليه آخر: “لا تقلق. إنه لا يسمع. هل سمعت عن جوارب تسمع؟ إنه يدرس معي منذ سنوات. نسخر منه يوميا أمامه دون أن يسمع”.

لم يكمل ريو وجبته ذلك اليوم. عاد إلى فصله. حبس دموعه حتى وصل إلى منزله. انفجر أمام والديه بكاءً وأخبرهما بما حدث. سألاه أن ينسى ما حدث ويستمتع فقط بأنه أصبح يسمع.

لكن ريو لم ينسَ ظل تهكم رفيق فصله، يرافقه كظله حتى كبر. أصبح ريو كاتبا دراميا. ألف العديد من الأعمال الدرامية، لكنها لم تنجح سوى عمل واحد باسم: “عندما تسمع الجوارب”. استوحى قصة العمل من حكايته مع رفيق فصله فانغ، الذي شبهه بالجوارب. تدور القصة حول طفل أصم في مدرسة كورية عامة. حقق العمل نجاحا كبيرا. لكن لم يشعر ريو بالسعادة. قال في مقابلة تلفزيونية: “لقد جرحني فانغ. بعض الجروح تبقى آثارها طوال العمر. قد يكون نسي، لكن لم أنسَ”.

هل سألنا أنفسنا، كم إنسانا أخطأنا في حقه سواء من خلفه أو أمامه. كم ندبا تسببنا فيه. كم جرحا خلفّنا وراءنا. إن الجروح لها ذاكرة لا تصدأ ولا تنسى. تمنح من أصابته النجاح والحكمة، وتعاقب من تسبب فيها بالجهل والعتمة.

عبدالله المغلوث.

تعليق واحد على “عندما تسمع الجوارب”

  1. دانية علق:

    فعلاً بعض الكلام يبقى في ذاكرتك ما تقدر تنساه
    لكن احياناً يكون الكلام _ولو كان سلبي_ سبب في النجاح ، لأنك تبغى تسوي اي شي عشان تثبت انك عكس الشي الي انقال عنك

أضف تعليقاً