عاملتنا المنزلية

يقول لقمان الحكيم: ”اليد اللينة تقود الفيل بشعرة”

كنت صغيرا عندما استقدم والدي عاملة منزلية من الفلبين لمساعدة أمي، المعلمة؛ على القيام بأعباء المنزل. لم أتقبل أنا وإخوتي هذه الفتاة القادمة من آخر الدنيا. كانت عنيدة وبطيئة. اضطر أن أعيد عليها طلبي غير مرة حتى تلبيه. كوّنت مع إخوتي حملة لإسقاطها. طالبنا والديّ أن ترحل عن منزلنا. قبلت يد والدتي، وتعلق أخي الصغير على كتف والدي، لكن محاولاتنا لم تجد نفعا. والدتي قطعت دابر الفتنة وحسمت الموضوع وقالت: ”ستبقى. أراها جيدة. تحتاج إلى وقت حتى تتأقلم. وأرفض أن يطلب منها أحدكم أي طلب. إنها إنسان وليس آلة. يقود السفينة ربان واحد. اتفقت معها أن تتلقى التعليمات مني فقط”.

أنهت والدتي الجدل بشأن رحيلها. بيد أنها صنعت قطيعة بيننا وبين العاملة المنزلية. صرنا لا نتحدث معها إلا لماما. لا نستطيع حتى أن نطلب منها الأشياء البسيطة، التي كنا نشاهد أقاربنا وأصدقاءنا يطلبونها من عاملاتهم ككي الملابس وجلب كأس الماء وتحضير العصير. اضطررنا للقيام بهذه الأشياء بأنفسنا أو انتظار والدتي أن تأتي وتكون في مزاج جيد حتى تنقل طلباتنا إليها.

مرت السنوات سريعة. ظلت هذه العاملة المنزلية بيننا طويلا. لكن كلما تقدمت السنوات ازداد فضولها ورغبتها في مشاركتنا أخبارنا ونقاشاتنا. كنا نتضايق من تطفلها وتعليقاتها أحيانا. بيد أن أمي كان لها رأي آخر. كانت تشجعنا على أن نتقاسم بعض أخبارنا معها فهي أصبحت جزءا منا على حد تعبيرها. أتذكر عبارة أمي جيدا: ”تعاملوا معها كأنها أختكم. وستشاهدون كيف ستفاجئكم”.

لم نلق لكلمات والدتي بالا. ظلت القطيعة قائمة. حديثنا معها محدود وقصير. كنا نرى أن والدتنا جعلتها تطغى وتتكبر بسبب طريقة تعاملها معها وإزاحتنا من طريقها، ناهيك عن الامتيازات الأخرى. لقد كانت تمنحها يوما في الشهر للتسوق، ومكافأة مضاعفة في رمضان.

عندما كبرنا بدأنا نؤمن أن ما كانت تفعله أمي مع عاملتنا المنزلية كان صحيحا. فها هي تستمر معنا طويلا. وتقوم بالأدوار المنوطة بها على أكمل وجه.

أحسسنا أن المساحة التي منحتها والدتي إياها كانت خلف بقائها هذه السنوات الطويلة بيننا، بينما نشاهد عاملات الأصدقاء والأقارب يظللن عاما أو عامين، وبعضهن يهرب بعد أسبوع أو أسبوعين.

أعلم أننا وفقنا بهذه الأخت العزيزة، لكن أؤمن أن تعامل والدتي جعلها تتكيف وتستمر وتفرح. منحتها أبسط حقوقها فوهبتنا إخلاصها وتفانيها.

أيقنت تماما أن ما فعلته أمي صواب وذلك في ليلة عرسي، عندما رأيت عاملتنا المنزلية، تبكي فرحا بمناسبة زواجي. هذه الدموع أثبتت أن علاقتها مع أفراد المنزل لم تكن علاقة عمل بل أكبر من ذلك. نمت وترعرت إثر الرفق الذي رافق تعامل والدتي معها.

أكملت أختنا، التي لم تلدها أمي، في يوليو الجاري 26 عاما في منزلنا، غير متخيلين بيتنا بلا وجودها، وهي لا تتخيل حياتها من دوننا. فطوال العقود الثلاثة الماضية لم تسافر إلا أربع مرات إلى وطنها. أحيانا تقطع إجازتها لتعود إلينا.

ندمت حقا على انطباعاتي السلبية المبكرة نحوها. واستذكرت قوله تعالى:

وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ

إن علاقتنا معها ليست معادلة معقدة. ببساطة هي تجسيد لقول الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام: ”إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه”.

يقول لقمان الحكيم: ”اليد اللينة تقود الفيل بشعرة”. فهاهو اللين يقود أضخم الكائنات، فكيف بأرقها وأجملها وهو الإنسان.

عبدالله المغلوث

تعليق واحد على “عاملتنا المنزلية”

  1. دانية علق:

    كان لدينا خادمه إندونوسيه مثلها تماماً
    اذكر في زواج اختي بكت و اخذنا لها صوره معها
    فعلاً ايام جميله قضيناها معها
    لكن بسبب الكبر رجعت لبلدها ❤

أضف تعليقاً